الأحد, 27 أيار 2018    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > المناشير البطريركية > هلمَّ نلبّي دعوة ربنا يسوع المسيح
هلمَّ نلبّي دعوة ربنا يسوع المسيح
قال الرب يسوع:
«تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم» (مت 11: 28)

في غِمار الحياة الدنيا، وظلامها الدامس، على أثر سقوط الإنسان الأول في وهدة خطيئة الكبرياء، وانفصاله عن السماء، وطرده من فردوسه إلى أرض الشقاء، خبط البشر كافة خبط عشواء في الليلة الظلماء، ورزحوا تحت نير إبليس الرجيم وعلى حد قول الرسول بولس: «إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد اللّه»(رو3: 23) وغدوا بأمس الحاجة إلى إله المجد، المخلّص الذي وعد اللّه الآب بإرساله إليهم ليقيم الصلح بين الأرض والسماء ويصنع السلام بين خالق السماء والأرض، وبين الإنسان أسمى مخلوقاته، وبهذا الصدد يقول مار بولس الرسول: «ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل اللّه ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي» (غل4: 4و5)، «لأن ليس لنا رئيسُ كهنة غيرُ قادر أن يَرثيَ لضعفاتِنا بل مُجَرَّبٌ في كل شيء مِثلُنا بلا خطيّة»(عب4: 15).

أجل لقد لمس الرب يسوع عملياً خلال تدبيره الإلهي العلني بالجسد، لمس شقاء بني البشر ومعاناتهم بصراعهم المرير مع إبليس عدوهم اللدود الذي يحاول في كل حين إدخالهم بالتجارب القاسية، وينبّهنا مار بطرس هامة الرسل منه بقوله: «اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائرٍ يجول ملتمساً من يبتلعه هو، فقاوموه راسخين في الإيمان عالمين أن نفس هذه الآلام تُجرى على إِخوتكم الذين في العالم»(1بط5: 8 و9). فكم سخّر إبليس وجنده عوامل الطبيعة لإهلاك نفوس البشر، وكم سبّب لهم الآلام القاسية والأوجاع المبرحة والضيقات والمشقات الشديدة، وكم أغرى العديد منهم وخدعهم فتركوا بيت الآب السماوي كما فعل الابن الضال، وبدّدوا النعم التي أسبغت عليهم في التمرّغ بالخطايا في أرض الغربة، فهيمن عليهم القلق والاضطراب والقنوط وعذاب الضمير لأنهم قد انفصلوا عن اللّه، وبهذا الصدد يقول النبي إشعياء لأمثالهم: «ها أن يد الرب لم تقصُر عن أن تُخلِّص ولم تَثقَلْ أُذنُه عن أن تَسمع بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع»(إش59: 1و2).

فقد كلّم اللّه الآباء عبر الدهور والأجيال بالأنبياء وأنزل بوساطتهم للبشر النواميس والشرائع وسنّ لهم الفروض ليكونوا قريبين من اللّـه تعالى ولكن بعض الذين كانوا قد اؤتمنوا على حفظ النواميس وتلقينها بني البشر أضافوا عليها من عندياتهم وصايا بشرية عسيرة الحمل فوبّخهم الرب يسوع بقوله: «ويل لكم أنتم أيها الناموسيون لأنكم تُحمِّلون الناس أحمالاً عسيرة الحمل وأنتم لا تَمَسُّون الأحمال بإحدى أصابعكم» (لو11: 46) لذلك دعا الرب يسوع بني البشر كافة الذين أتعبتهم تكاليف الحياة الدنيا أن يتبعوه ليجدوا الراحة التامة جسداً وروحاً قائلاً: «تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأن نيري هيّن وحملي خفيف»(مت11: 28ـ30).

أجل إننا في كل مراحل حياتنا على الأرض كأفراد وجماعات، ندخل بتجارب متنوعة قاسية، وتصادفنا عقبات كأداءُ كثيرة جداً وليس من الهيّن علينا اقتحام هذه الصعوبات بأنفسنا ما لم نلبِّ دعوة المخلص ربنا يسوع المسيح الذي يدعونا لنتبعه ونحمل نيره الهيّن الخفيف الذي هو صليب التضحية ونكران الذات، ونتحرّر من نير إبليس الثقيل، وأن نقتدي به ونتعلّم منه الوداعة والتواضع، لننال به الراحة والسعادة الحقيقيتين في العالمين.

أيُّها الأحباء: قضى الرب يسوع مرة النهار كلّه يعلّم الناس ويشفي مرضاهم فهدّ التعب حيله، ولمّا جاء المساء أمر تلاميذه بالعبور إلى الجانب الآخر من البحيرة، فصرف التلاميذ الجمع وأقلعوا في السفينة الصغيرة التي كانت تلازمه (مر3: 9) ونام الرب يسوع على وسادة في مؤخرة السفينة، فهبّت فجأة العاصفة الهوجاء، وهاج البحر وماج، ولطمت أمواجه العاتية السفينة وكادت تغرقها، وشعر التلاميذ بالخطر فخافوا خوفاً عظيماً، وبعد أن بذلوا قصارى جهدهم، وسخّروا كل خبراتهم في ركب البحار في إنقاذ السفينة، وفشلوا ويئسوا من النجاة، التجؤوا إلى الرب يسوع فأيقظوه وقالوا له: «يا معلمُ أما يهمّك أننا نهلك فقام وانتهر الريح وقال للبحر: اسكُت ابكم، فسكنت الريح وصار هدوء عظيم، وقال لهم: ما بالكم خائفين هكذا كيف لا إيمان لكم. فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض: من هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه؟!»(مر4: 38ـ41).

أجل لقد انتهز إبليس فرصة نوم الرب، ولأول مرة يذكر الإنجيل المقدس أن الرب نام، فهيّج إبليس البحر ليهلك تلاميذ الرب الأطهار ولكن الرب الذي قيل عنه أنه لا ينام ولا يهجع وهو الحارس القدير لاتباعه. وهو كما ناجاه النبي داود قائلاً: «من مثلك قوي... ومتسلّط على كبرياء البحر عند ارتفاع لججه أنت تسكنها» (مز89: 8و9). قام الرب حالاً وانتهر الريح وقال للبحر: اسكت أبكم، فسكنت الريح وصار هدوء عظيم. وانكشفت قوة الرب السامية على قوات الطبيعة التي لا سلطان للإنسان عليها، ووبّخ له المجد تلاميذه بقوله: كيف لا إيمان لكم.

في جيلنا هذا الملتوي وفي غمار حياتنا كأفراد وجماعات نحن الذين نلنا نعمة المعمودية المقدسة باسم الرب يسوع نشابه أحياناً عديدة تلاميذه الأطهار ونقلق عندما تصادفنا المصائب والمصاعب وننسى أنَّ السفينة لا يمكن أن تغرق طالما الرب فيها، وإن كنيسته المقدسة التي تشبه السفينة في وسط البحر لن تتزعزع مهما كانت صغيرة، ومهما تقاذفتها الرياح العاتية. ولكن إن ابتعدنا عن الرب وكان الرب بعيداً عنّا وعن سفينتنا حينذاك يجب أن نشعر بالخطر لأن إبليس كوحش يزأر يريد ابتلاعنا.

فلنكن مع الرب دائماً أيها الأحباء، قولاً وعملاً، لننال منه القوة الإلهية، ونشعر بأن عنايته الربانية تكتنفنا وعينه الساهرة ترمقنا، وهو يُنقذنا من المصاعب والضيقات، فلا نتزعزع مهما حمي وطيس الحرب واشتد القتال مع إبليس وجنده من الشياطين والبشر، وما علينا إلا أن نبقى صامدين ثابتين على إيماننا المتين. فالمسيح معنا وقد وعدنا قائلاً: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (مت18: 20) لذلك لا يهملنا ولا يتركنا بل هو «عمانوئيل» اللّـه معنا، وروحه القدوس لن ينزعه منا. ولئن كان تعالى يسمح أحياناً لإبليس ليجربنا، ولكنه لا يسمح له بإهلاكنا، وبهذا الصدد يقول مار بولس الرسول: «... لكنّ اللّـه أمين الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا»(1كو10: 13).

أيُّها الأحباء في الظروف القاسية الراهنة التي يمر بها عالمنا اليوم وقد فشا فيه العنف والظلم والطغيان، واشتدت فيه الانحرافات الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وابتعد أغلب الناس عن اللّـه تعالى. هلمّ لنلبّي دعوة ربنا يسوع المسيح ونلتجئ إليه، ولنردّد دعاء أحد الأتقياء وهو يناجيه له المجد قائلاً: «لقد آمنت بك يارب فزدني إيماناً، وعليك اتّكلت يا إلهي فزدني اتكالاً». ولنقل مع صاحب المزامير: «الربُّ نوري وخلاصي ممن أخاف الرب حصن حياتي ممن أرتعب»(مز27: 1) وقوله أيضاً: «الربُّ راعيَّ فلا يعوزني شيء... يرد نفسي يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه، أيضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرّاً لأنّك أنت معي عصاك وعكازك هما يعزيانني»(مز23: 1ـ4).
ولننتهز فرصة قدوم الصوم الأربعيني المبارك ونقرن الصوم بالصلاة والتوبة النصوح وتوزيع الصدقات، طالبين إلى الرب لينشر أمنه وسلامه في أقطار المسكونة كافة ولا يدخلنا بالتجارب بل ينجينا من الشرير.

تقبل اللّـه صومكم وصلواتكم وصدقاتكم أيُّها المؤمنون وأهلّكم أن تحتفلوا بعيد قيامته من بين الأموات ببهجة وسرور والنعمة معكم. ܘܐܒܘܢ ܕܒܫܡܝܐ ܘܫܪܟܐ.

صدر عن قلايتنا البطريركية في دمشق ـ سورية
في اليوم السابع عشر من شهر شباط سنة ألفين وثلاث
وهي السنة الثالثة والعشرون لبطريركيتنا