الجمعة, 24 أيار 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > الكتاب المقدس > الصــلاة الـربــانـيـــة
الصــلاة الـربــانـيـــة
بقلم قداسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

السيد المسيح يعلمنا الصلاة الربانية:
كثيراً ما كان الرب يسوع له المجد ينفرد بالآب السماوي بصلوات حارة، ومناجاة طويلة، في مواضع شتى، ذكر منها جبل الزيتون. «وإذ كان يصلّي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا أيضاً تلاميذه. فقال لهم متى صلّيتم فقولوا:

«أبانا الذي في السموات، ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفافنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا، كما نحن أيضاً نغفر لمن
أخطأ إلينا، ولا تدخلنا في التجربة، لكن نجّنا من الشرير.
لأن لك الملك والقوة والمجد، إلى الأبد. آمين» (مت 6: 9 ـ 13 ولو 11: 1 ـ 4).

التأثير الروحي للصلاة الربانية:
ومنذ أن علّم السيد المسيح تلاميذه هذه الصلاة، والمسيحيون يرفعونها إلى الآب السماوي، باسم الابن القدوس، في كل آن وأين، وكل ظرف وحين، في السراء والضرّاء في دور العبادة، وخاصة أثناء الاحتفال بالقداس الإلهي أو تلاوة الصلوات الفرضية، كما يصلّيها المؤمنون في دورهم وأماكن عملهم، وهم يشعرون بتأثيرها الروحي البالغ في حياتهم، وقد اختبروا قوتها السامية ومفعولها الإيجابي، ففيها تلبّى حاجات النفس والجسد، وبتلاوتها بخشوع يعبد المؤمنون الإله الحق بالروح والحق، ويمجدونه تمجيداً، وينالون منه تعالى طمأنينة النفس وراحة البال، وسلاماً روحياً، ونجاة من التجارب الصعبة، وخلاصاً من إبليس اللعين وجنده الأشرار، وظفراً بهم جميعاً. وأخيراً يتمتّعون بسعادة روحية في الحياة الدنيا، ويحوزون على رجاء لا يخيب للحياة الأبدية.
إن المؤمن الذي يسكب نفسه أمام الإله الآب بقلب نقي، وضمير طاهر، وهو يتلو الصلاة الربانية بخشوع متأمّلاً معانيها السامية، تصعد صلاته كبخور قدام الرب (مز 141: 2) لأن «طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها»(يع 5: 16) والصلاة الربانية هي كلمة السر لفتح باب السماء على مصراعيه، واستجابة الطلبات المقدمة للآب بإيمان إتماماً لوعد الرب يسوع القائل «اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم» (مت 7: 7 ولو 11: 9 ويو 16: 24).
وقد أحبّ المسيحيون هذه الصلاة، فنقشوها على ظهر قلوبهم، ونظموها شعراً، ولحّنوها نظماً ونثراً بلغاتها العديدة، ولهجاتهم التي لا تحصى، ووقعوها على الآلات الموسيقية، وهم ينشدونها مترنّمين فهي مزمورهم المفضّل. وهي الصورة المختصرة جداً التي رسمها الرب لصلواتهم، والنموذج الذي يقيسون به طلباتهم دائماً.

الصلاة الربانية علّمنا إيّاها الرب باللغة السريانية:
وقد أنعم الرب علينا نحن السريان، بأن نرفع صلواتنا إليه تعالى، باللغة السريانية التي قدّسها بلسانه الطاهر، إذ تكلّم بها. فنحن نتلو الصلاة الربانية بذات الألفاظ التي فاه بها الرب يسوع. وقد لحّنها آباؤنا منذ القرون الأولى للميلاد، وننشدها طبقاً للألحان القديمة الشجيّة التي تبعث في النفس خشوعاً ورهبة.
ولكي يتأمل المؤمنون معاني هذه الصلاة، فيرفعوها إلى اللّه بقلوب نقية، ونفوس زكية، رأينا أن نشرحها، مستهلّين الروح القدس ومستندين إلى تفاسير آبائنا الميامين.

مقدمة الصلاة الربانية:
تقسم الصلاة الربانية إلى مقدمة وسبع طلبات جوهرية وخاتمة. ففي المقدمة نوجّه الصلاة إلى الآب السماوي قائلين:
«أبانا الذي في السموات»(مت 6: 9):
1 ـ أبانا:
بهذه الكلمة نتقدّم إلى اللّه بروح البنوة ونخاطبه بدالة البنين وندعوه «أبانا» وحين نستخدم كلمة «أب» لنصف بها اللّه تعالى، نقدّم مختصراً للإيمان المسيحي لأننا عندما ندعو اللّه «أبانا» نوضح علاقتنا باللّه، وبأنفسنا وبالقريب. لقد أنعم الرب يسوع علينا لنكون أخوة له وأبناء لأبيه السماوي. لذلك منحنا الحق لندعو أباه «أبانا» واختار هذه الصفة العزيزة مفضلاً إيّاها على سائر الصفات والأسماء الحسنى التي تطلق على الإله العظيم. ذلك أن لفظة «أب» هي أقدس لفظة يفوه بها الإنسان فهل يوجد في الدنيا أعزّ من الأب على قلوب أولاده؟ فكم بالحري إذا كان هذا الأب هو الآب الذي في السماء إلهنا وخالقنا ورازقنا والمعتني بنا؟ فما أسمى النعمة التي منحنا إيّاها الرب بأن يكون إلهنا أبانا.
قال الرب يسوع لتلاميذه مرة: «لا أعود أسمّيكم عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيّده، لكني قد سمّيتكم أحبّاء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي»(يو 15: 15). ودعا الفقراء أخوته الأصاغر (مت 25: 40) كما دعا الرسل أخوته بقوله للمجدلية، بعد قيامته: «لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى أخوتي وقولي لهم إني لم أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»(يو 20: 17 ومت 28: 10). وقال الرسول بولس: «إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ يا أبا الآب»(رو 8: 15). ويقول الإنجيلي يوحنا: «أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاداً أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من اللّه» (يو 1: 12و13) فبهذا السلطان الذي أعطانا إيّاه اللّه يحقّ لنا أن ندعوه تعالى (أبانا)، كقول الرسول بولس: «ثم بما أنّكم أبناء أرسل اللّه روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب، إذاً لست بعد عبداً بل ابناً وإن كنت ابناً فوارث للّه بالمسيح» (غل 4: 7 و رو 8: 17). فلسنا أبناء وحسب بل ورثة على حد تعبير الرسول بولس أيضاً القائل: «فإن كنتم للمسيح فأنتم إذاً نسل ابراهيم، وحسب الموعد ورثة»(غل 3: 26 ـ 29)، فنحن ورثة لأبينا السماوي الحي بمشاركتنا الميراث مع ربنا يسوع المسيح ابن اللّه الحي.

لقد ولدنا من اللّه يوم اعتمدنا باسم الثالوث الأقدس، وحلّ علينا الروح القدس كما حلّ على الرب يسوع يوم عماده في نهر الأردن من يوحنا المعمدان. وجاءتنا الشهادة من السماء بأننا أبناء اللّه، كما جاءت للرب يسوع بعدما صعد من الماء، حيث سمع الصوت من السماء قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»(مت 3: 17). هكذا نولد من الماء والروح ولادة ثانية كقول الرب لنيقوديموس: «الحق الحق أقول لك إن كان أحدٌ لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت اللّه... إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللّه. المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح...» (يو 3: 3 ـ 7).

وصفة البنوة التي ننالها مجاناً من اللّه بولادتنا الروحية توجب علينا محبة أبينا السماوي وطاعة أوامره، وعبادته، والاتّكال عليه ووضع كل رجائنا فيه، وبذلك نكون أولاداً صالحين.
وهذه الصفة ذاتها تسربلنا بقوة فائقة، حتى الأبالسة ترتاع وترتعب منا لما تسمعنا ندعو اللّه «أبانا» وتهرب منا لأنها تعرف بأننا بحماية اللّه أبينا ورعايته وقد وعدنا الرب يسوع قائلاً: «ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك»(لو 21: 18).

ما أسعدنا أن ننال صفة القرابة مع اللّه، يقول الإنجيلي يوحنا: «أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد اللّه» (1يو 3: 1).
فعلينا كأبناء اللّه أن نكون في شركة مع أبناء اللّه في بيت اللّه، الكنيسة المقدسة. وإن ابتعدنا عن بيت الآب، كالابن الضال، جعنا وشاركنا الخنازير أكل الخرنوب. فعلينا أن نتوب ونعود إليه تعالى، والآب ينتظرنا ليعيد إلينا خاتم العهد عهد البنوة، الصفة الثابتة التي لا تسقط ولكنها تتجدّد، فإذا ظننا بأننا سقطنا من هذه الرتبة وفكّرنا بأنفسنا بأن نقول للآب مع الابن الضال: «لست مستحقاً أن أكون لك ابناً، فاجعلني كأحد عبيدك»، سيضمنا الآب إلى صدره الحنون ولا يدعنا نفوه بهذه العبارة القاسية، بل سيأمر بذبح الكبش المسمّن، ويعيد إلينا خاتم العهد، ويؤكّد لنا بنوتنا له، وأبوته لنا، بقوله: «افرحوا معي لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد». إذن نحن أولاده في كل حال. وصفة البنوة تلازمنا حتى في حال البعد عن بيته الإلهي، على أمل العودة إليه تعالى بالتوبة الصادقة.

ونقول (أبانا) بصيغة الجمع، فإن اللّه أبونا جميعاً وهو أبو البشر كافة، وخاصة المولودين منه بالنعمة، كما أوصى السيد المسيح قائلاً: «وأنتم جميعاً أخوة ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السموات»(مت 23: 8و9). وكأولاد أب واحد محذور علينا التمييز العنصري أو القبلي أو القومي أو الطبقي، وعلينا أن نتّحد بالمحبة، واللّه محبة، ولا يدعوه أحدنا «أبي» بل «أبانا» بصفة الجمع لأننا عائلة واحدة وهو أب واحد لجميعنا، وروح الأبوة يعظم العلاقة المتبادلة بين أولاده فتسمو روح الأخوة.
وإن كلمة «أب» عندما تطلق كصفة للّه تعالى لا تنقص من مقامه جلَّ جلاله. ولكنها تجعل قدرته تعالى وجلاله قريبين منا بحيث نقدر على الاقتراب منه بدالة البنين، وتعظم المحبة المتبادلة بين هذا الآب السماوي وأولاده وتسمو أيضاً إطاعة هؤلاء له واتّكالهم عليه.

2 ـ «الذي في السموات»:
لكي يتميّز الإله الآب عن سائر الآباء، ندعوه «أبانا في السموات» أما آباؤنا البشر فهم في الأرض.
إن اللّه تعالى روح لا يحصره حدّ، موجود في كل مكان كقوله تعالى: «أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب» (إر 23: 24) ولكن مقره تعالى في السماء كقول الكتاب عنه: «الساكن في السموات»(مز 2: 4) و«الربّ عالٍ فوق كل الأمم. فوق السموات مجده. من مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي. الناظر الأسافل في السموات وفي الأرض»(مز 113: 4 ـ 6) و«إليك رفعت عينيّ يا ساكناً في السموات»(مز 123: 1).
ونصفه بأنه أبونا الذي في السموات، لتتوّجه أفكارنا وأذهاننا وقلوبنا نحو السماء مبتعدين عن الأرضيات، ولكي نتوق السكنى معه في العلاء كوصية الرسول بولس: «أطلبوا مافوق حيث المسيح جالس عن يمين العظمة»(كو 3: 1).

الطلبات السبع
الطلبة الأولى: «ليتقدس اسمك»(مت 6: 9):
إن معنى التقديس هو التخصيص والتمييز، فنحن نميّز اسم الرب عن كل اسم في الكون، فإذا قلنا هذا المكان مقدس، أي أنه يختلف عن سائر الأماكن، واسم الرب مقدس لأنه فريد عن سائر الأسماء. ولفظة اسم تشير إلى طبيعة الفرد وشخصيته وقوته. فاسم الرب هو الرب ذاته، وهذا ما عناه صاحب المزامير بقوله: «ويتّكل عليك العارفون اسمك لأنك لم تترك طالبيك يا رب»(مز 9: 10) و«هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل. أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر» (مز 20: 7) ويقول الرب يسوع وهو يناجي الآب: «أنا أظهرت اسمك للناس» (يو 17: 6) كما أمر تلاميذه أن يعمدوا المؤمنين «باسم الآب والابن والروح القدس»(مت 38: 19) فاسم الأقانيم الثلاثة أي قوتهم وسلطانهم هو اسم واحد لأن الثلاثة متساوون بالجوهر. فيقول الرسول بولس عن الرب يسوع: «لذلك رفعه اللّه أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض» (في 2: 10) والرب يسوع يقول لتلاميذه: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم»(مت 18: 20) وقال الرسول بطرس وقد امتلأ من الروح القدس وهو يجاوب رؤساء اليهود وشيوخهم وكتبتهم على سؤالهم له وليوحنا «بأية قوة وبأي اسم صنعتما أنتما هذا» قال بطرس: «فليكن معلوماً عند جميعكم... أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه اللّه من الأموات. بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً... وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص» (أع 4: 5 ـ 12).

إن اسم الرب يتقدس في السماء، فالملائكة برتبهم يمجّدونه دائماً وقد سمعهم النبي أشعيا (6: 3) «هذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض» وكقول صاحب المزامير: «قدوس ومهوبٌ اسمه»(مز 111: 9).
وبقولنا «ليتقدس اسمك» نسأل الرب أن ينشر اسمه القدوس في العالم أجمع لتمجّده الأمم كافة ولئن كلّفنا ذلك احتمال المشقات كما قال الرب: «وستكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي»(مت 10: 12).

وتقديسنا اسمه القدوس يجري بعبادتنا إيّاه تعالى بالروح والحق وتمجيده بألسنتنا وأفكارنا وقلوبنا، وبطاعتنا أوامره الإلهية فنتقدس به، ويتقدّس اسمه بأعمالنا، على حد قوله تعالى: «لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات» (مت 5: 16).

أما إذا حدنا عن سبله المستقيمة وعصينا أوامره الإلهية، فإننا نصير سبباً للتجديف على اسم إلهنا كقول الرسول بولس لأهل رومية: «إن اسم اللّه يجدّف عليه بسببكم بين الأمم...» (رو 2: 24) ولذلك يوصينا الرسول بطرس قائلاً: «وأن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكي يكونوا في ما يفترون عليكم كفاعلي شر يمجّدون اللّه في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها»(1بط 2: 12) وقال أيضاً: «بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس. وإن كنتم تدعون أباً الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد فسيروا زمان غربتكم بخوف»(1بط 1: 15 ـ 17).

الطلبتان الثانية والثالثة
«ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض»(مت 26: 10و11).
1 ـ ليأتِ ملكوتك:
يعد تأسيس ملكوت اللّه على الأرض الغاية القصوى من تجسّد الإله، ولذلك شغل مركز الدائرة في تعاليم الرب يسوع.
فقد جاء يوحنا المعمدان ليهيئ الطريق أمام الفادي فنادى «توبوا فقد اقترب منكم ملكوت اللّه»(مت 3: 2).
وجاء الفادي ينادي: «توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت اللّه» (مت 5: 17) و«أنه ينبغي لي أن أبشر في المدن الأخر أيضاً بملكوت اللّه لأنني لهذا قد أرسلت»(لو 4: 43).
إن ملكوت اللّه مرحلتان، يقطع المؤمن المرحلة الأولى منهما على الأرض ليتهيّأ لبدء المرحلة الثانية الأبدية في السماء. وقد أسّس الرب ملكوته على الأرض، أي كنيسته المقدسة الحاوية نعمه الإلهية، ووسائل الخلاص للإنسان، وجعل منها مجتمعاً مقدساً تتمّ فيه مشيئة الآب السماوي. فالطلبة القائلة: لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض تعني أن تكون الكنيسة المقدسة أي ملكوت اللّه على الأرض مكملة إرادة اللّه كما يكملها الملائكة في السماء. وقد دعانا اللّه إلى ملكوته كقول الرسول بولس «الذي دعاكم إلى ملكوته» (1تس 2: 11). وقال الرب «ها ملكوت اللّه في داخلكم» (لو 17: 21). فقد صرنا أعضاء في هذا الملكوت الذي هو جسده السري، وهو رأس الجسد، إذ غسلنا وطهرنا بدمه الأقدس ونقّانا وأقامنا له كنيسة مجيدة لا عيب فيها.

وقد شبّه الرب ملكوته الإلهي على الأرض، بحبة الخردل التي هي أصغر جميع البذور، أخذها إنسان وزرعها في بستانه فنمت وصارت شجرة كبيرة وتآوت طيور السماء في أغصانها. (مت 13: 31 ولو 13: 19).
كما شبّه الرب ملكوت السموات بخميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع (مت 13: 33 ولو13: 21) وبالشبكة المطروحة في البحر والجامعة أنواعاً من السمك عديدة فلما امتلأت أصعدوها إلى الشاطئ وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية. وأما الأردياء فطرحوها خارجاً (مت 13: 47و48).
هكذا أسس الرب ملكوته على الأرض، وشرح أهدافه الإلهية لتلاميذه بأمثال، حتى أنه بعد قيامته وقبل صعوده إلى السماء كان يظهر لهم أربعين يوماً «ويتكلّم عن الأمور المختصة بملكوت اللّه»(أع 1: 3).

ولما نصلي قائلين: «ليأت ملكوتك» إنما نطلب من الرب ليملك على قلوبنا وعقولنا ونتمنّى أن نكون في حال القداسة بعيدين عن الخطية التي تبعدنا عن الرب. فنحن هياكل اللّه، (2كو 6: 16) وهياكل الروح القدس (1كو 6: 19) على حد تعبير الرسول بولس، وفي حال الخطية يهرب الروح منا، لذلك طلب داود من الرب في مزمور التوبة قائلاً: وروحك القدوس لا تنزعه مني (مز 51: 11) فإذا كان اليهود قد رفضوا أن يملك المسيح عليهم وقالوا لبيلاطس «ليس لنا ملك إلاّ قيصر» (يو 19: 15) فنحن نطلب أن يكون المسيح مالكاً نفوسنا وأفكارنا، مهيمناً على قلوبنا، وأن نكون غنم رعيته.
ولما نطلب أيضاً إلى الرب قائلين «ليأتِ ملكوتك» نقصد المرحلة الثانية من هذا الملكوت التي تبدأ بمجيء الرب يسوع ثانية لدينونة العالمين، وبصلاتنا نتوق إلى مجيء هذا اليوم العظيم، حيث سيأتي الرب يسوع بمجد أبيه مع ملائكته القديسين، ويملك معه الصالحون في ملكوته السماوي الأبدي. هذا ما عناه الرب بقوله لبيلاطس: «مملكتي ليست من هذا العالم»(يو 18: 36).
عندما صعد الرب يسوع إلى السماء، وقف ملاكان بالتلاميذ قائلين: «أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء»(أع 1: 11).

هذا عزاء تلاميذ الرب، إن الرب سيأتي ثانية «سيأتي الآتي ولا يبطئ»(عب 10: 37)، لذلك حيا المؤمنون أحدهم الآخر في فجر المسيحية بالعبارة السريانية «ماران أثا» أي الرب آت (1كو 16: 22) ولا تزال الكنيسة حتى اليوم واقفة على أصابع أقدام الانتظار متطلّعة إلى السماء منتظرة المسيح يسوع آتياً على السحاب (مت 24: 30 ومر 13: 26 ولو 21: 27) ليقيم الأموات «ونحن الأحياء الباقين سنخطف معه في الجو» على حد قول الرسول بولس (1تس 4: 17).
هذا ما حدا بيوحنا الحبيب أن يكتب في الفصل الأول من سفر الرؤيا قائلاً: «هوذا يأتي مع السحاب وتنظره كل عين» (رؤ 1: 7) وينهي سفره بشوقه إلى مجيء الرب بقوله: «تعال أيها الرب يسوع»(رؤ 22: 20) وكأني به يقول «ليأت ملكوتك» لينال الأبرار مكافأتهم، ليدعوهم الرب إلى ملكوته بقوله: «تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم»(مت 25: 34) فقد غلبوا وسينالون الجعالة، وإكليل المجد الذي أعدّه اللّه للغالبين، الذين حافظوا على امتيازات ملكوته على الأرض، فاستحقوا أن يدخلوا ملكوته في السماء.

فهل حافظنا على هذه الامتيازات وتمسّكنا بقانون ملكوت اللّه، بالإيمان والأعمال الصالحة وإعطاء الثمار التي تليق بالتوبة!؟ لقد حاد اليهود عن جادة الحق لذلك قال لهم الرب: «إن ملكوت اللّه ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره» (مت 21: 43). فلنحذر لئلا ينزع الملكوت منا أيضاً.
وقد أوصانا الرب أن نسهر منتظرين مجيئه، فنحن لا نعلم متى يأتي ولكنه آت. وعاموص النبي يقول: «استعد للقاء إلهك»(عا 4: 12). فهل نحن مستعدّون؟!
ما أجمل أن نقرن طلبتنا «ليأت ملكوتك» بطلبة اللص التائب إلى الرب يسوع قائلاً «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك» (لو 23: 42).
لنفحص قلوبنا ونفوسنا لنرى هل نحن مستعدون للقاء إلهنا؟ لقد قال الرب «ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات» (مت 7: 21). لذلك نردف طلبة «ليأت ملكوتك» بطلبة:

2 ـ «لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض»:
قال أحدهم «ليست الصلاة محاولة لإخضاع إرادة اللّه لرغباتنا بل هي دائماً محاولة لإخضاع إرادتنا لمشيئة اللّه».
إن اللّه تعالى عليم بخفايا القلوب فهو: «فاحص القلب ومختبر الكلى»(إر 17: 10). إنه خبير بحياتنا، وعلمه ومعرفته لا حدود لهما، وهو أدرى بمصالحنا منا، وهو حكيم، ومحب، ويعلم ما يسعدنا. لذلك نطلب إليه أن تكون مشيئته لا مشيئتنا في كل أمورنا. مع أنه منحنا الحرية المطلقة التامة في كل تصرّفاتنا في الحياة. ونطلب إليه لتكون هذه الحرية مقيّدة في حفظ وصاياه الإلهية فتتمّ مشيئته في كل تصرفاتنا.
إن طلبتنا «أن تكون مشيئته» نابعة من ثقتنا بمحبته تعالى لنا «لأنه هكذا أحبّ اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية»(يو 3: 16) «ولكن اللّه بيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رو 5: 8).
إن مشيئته تعالى إذا عمَّت على الأرض عمَّ السلام، وملك البر، وبادت الخطية.
إننا لا نتمكن من إتمام مشيئة اللّه ما لم نعرف هذه المشيئة، والسبيل الوحيد إلى معرفتها هو المواظبة على دراسة الكتاب المقدس، فصاحب المزامير يطلب إلى الرب قائلاً: فهِّمني فأتعلم وصاياك (مز 18: 73) و«علِّمني أحكامك»(مز 118: 108) و«أنا عبدك فهمني فأعرف شهاداتك»(مز 118: 135). والرسول بولس يوصينا قائلاً: «لا تكونوا ناقصي الرأي بل افهموا ما مشيئة اللّه الصالحة الكاملة»(إف 5: 17).
كثيراً ما تستولي علينا أهواء الجسد كقول الرسول بولس «فإني أعلم أن الخير لا يسكن فيَّ أي في جسدي» (رو 7: 18) فإننا نتوق إلى عمل الخير، ولكننا نعمل الشر الذي نبغضه ولا نرغب فيه، ففي طلبتنا إلى اللّه قائلين «لتكن مشيئتك» نودّ أن نتمّم مشيئة اللّه لا مشيئة الجسد وأن نعمل الخير بقوة اللّه التي تظهر في ضعفنا.

إن خير مثال لنا بذلك الرب يسوع الذي وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب (في 5: 8) بعد أن سلَّم مشيئته بيد أبيه السماوي حيث قال له في بستان الجثسيماني «لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك»(لو 22: 42) فإذا كنا قد ولدنا «لا من مشيئة رجل بل من اللّه»(يو 1: 13) لتحيا بحسب مشيئته تعالى مسلِّمين مشيئتنا بيده بنكران الذات، والتضحية بكل عال ونفيس، خاصة بالإرادة الحرة، حاملين صليبه، سائرين وراءه إتماماً لأمره القائل: «من أراد أن يكون لي تلميذاً فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني»(مت 16: 20) فأول شرط للتلمذة هو طاعة إرادة اللّه، وأخيراً تحمّل الآلام في سبيله، دون تذمّر، ولسان حالنا يقول مع أيوب الصدّيق: «كما حَسُنَ عند الرب هكذا صار فليكن اسمه مباركاً»(أي 1: 21).
وبإتمامنا إرادة اللّه وتسليمنا ذواتنا بيديه وطلبنا أن تكون مشيئته تعالى، تتقوّى أواصر القرابة بيننا وبينه تعالى طبقاً لوعد الرب يسوع القائل: «كل من يفعل إرادة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي»(مت 12: 50).
فلنقبل إرادة اللّه بفرح ومحبة وعن اختيار تام، واثقين بمحبة اللّه لنا، وعنايته بنا، وعدالته، وقداسته، ورحمته في معاملتنا «ولتكن مشيئته كما في السماء كذلك على الأرض».

الطلبة الرابعة
«خبزنا كفافنا أعطنا اليوم»(مت 6: 11):
إن المعنى المباشر لهذه الطلبة هو الغذاء الجسدي اليومي، فاللّه تعالى رازقنا ومقيتنا، لذلك نطلب منه خيرات هذه الحياة ونفهم بالخبز ما كان يختص بالأكل والشرب أو غير ذلك من حاجات الجسد. جاء في إنجيل لوقا «إن المسيح دخل إلى بيت أحد رؤساء الفريسيين ليأكل خبزاً»(لو 14: 1) فلفظة خبز هنا تعني كل ما يختص بالقوت. قال صاحب المزامير مناجياً الرب: «إياك تنتظر عيون الجميع فإنك أنت الذي ترزقهم طعامهم في حينه»(مز 114: 15) و«الجميع يرجونك لترزقهم أكلهم في أوانه ترزقهم فيلتقطون تبسط يدك فيشبعون خيراً» (مز 103: 27).
«خبزنا كفافنا أعطنا اليوم».
ويرفع هذه الصلاة إلى اللّه الأغنياء والفقراء. فالفقراء يسألون أن يسدّ الرب حاجتهم. أما الأغنياء ففي طلبهم من اللّه خبزهم اليومي، وهم راتعون في بحبوحة من العيش إنما يشكرون اللّه على نعمته، ويتواضعون طبقاً لوصية الرسول بولس لهم: «ألاّ يستكبروا ولا يتكلّموا على الغنى غير الثابت بل على اللّه الحي الذي يؤتينا كل شيء لنتمتع به» (1تي 6: 17). والغني بهذه الطلبة يأخذ درساً لإتمام إرادة اللّه ومساعدة أخيه الفقير خاصة وهو يقول «أعطنا» لا «أعطني» دلالة على الاهتمام بالجميع لا بالذات فقط، والسعي لخير القريب فيشرك معه الفقراء بالخيرات التي أعطاه اللّه إيّاها.
قال يوحنا الذهبي الفم: «إننا نطلب ليس فقط أن نعطى القوت بل أيضاً أن يجعل اللّه في الخبز اليومي قوةً تجدينا سلامة وخلاصاً كي يستفيد الجسد من القوت، والجسد يخدم النفس»، فكلمة خبز إذن تشمل هنا كل ما يحتاجه الإنسان في حياته على الأرض حتى الصحة التامة لتناول الطعام الضروري للجسد، فقد يكون الطعام متوفراً لكننا لا نستطيع أن نتناوله لانحراف صحتنا.
ونحن لا نطلب الأمور الجسدية كأنها غايتنا القصوى، بل لسد عوزنا، لنحيا، ونمجّد اللّه، طبقاً لوصية الرسول بولس القائل: «فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد اللّه» (1كو 10: 31).

كان الإنسان قبل سقوطه بالخطية يحرث الفردوس يأكل من ثمره، ولما سقط لُعنت الارض بسببه، وحكم عليه أن يأكل خبزه بعرق جبينه (تك 3: 18). وكم حرث وزرع وانتظر، ولم يحصد بسبب الآفات أو الكوارث الطبيعية؟ فعلى الإنسان أن يعمل بجد ويتكل على اللّه، ويصلي إليه تعالى ليعطيه خبزه الكافي، «فليس الغارس إذن بشيء ولا الساقي، بل اللّه الذي ينمي» (1كو 3: 8).
إن الرب يعتني بأجسادنا كاعتنائه بأرواحنا. وهو يعرف ما نحتاج إليه قبل أن نسأله. ألم يكثر الخبزات في البرية حيث أشبع آلاف الناس مرتين. وفي الوقت ذاته أوصاهم قائلاً: «اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا اللّه الآب قد ختمه» (يو 6: 27) وقال أيضاً: «لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد افضل من اللباس. انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها ألستم أنتم بالحري أفضل منها» (مت 6: 25و26).

إن الاهتمام بحاجات الجسد ليس فقط جائزاً بل واجباً أيضاً على الإنسان، وإن الاجتهاد فضيلة، والكسل رذيلة، والعبد الشرير والكسلان يطرح إلى الظلمة الخارجية (مت 25: 26) ولكن الاهتمام بهذه الأمور الدنيوية إذا بلغ درجة الجشع والشك بعناية اللّه والاضطراب وعدم الثقة به تعالى ينقلب هذا الاهتمام إلى قلق مصدره قلة إيمان. إن الاهتمام الممدوح يعبّر عنه سليمان في سفر الأمثال وهو يسأل اللّه تعالى قائلاً: «لا تجعل حظي الفاقة ولا الغنى بل ارزقني من الطعام ما يكفيني» وذكر الرسول بولس: التقوى مع القناعة تجارة عظيمة... (أم 30: 8) وهذا التعبير يلخّص بعبارة «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم» وخبزنا هو الخبز الذي نستحقه، وقد حصلنا عليه بعرق جبيننا فهو خبز الحلال الذي لم نسلبه من أحد، ولم نحصل عليه بطريقة غير مشروعة. وهو (كفافنا) أي ما يكفينا منه وتظهر هنا فضيلة القناعة. «لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء. فإن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما» (1تي 6: 7و8). وإن اللّه يعتني بالجميع «فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين» (مت 5: 45).
وعندما نسأله أن يعطينا خبزنا كفافنا اليوم، نؤكّد وصيته لنا بقوله «فلا تهتمّوا بالغد لأن الغد يهتمّ بما لنفسه يكفي اليوم شرّه» (مت 6: 34) أي لا تقلقوا كثيراً على المستقبل فاللّه يعتني بكم. ألم يعتنِ بشعب العهد القديم فكان يعطيهم «المنّ» في البرية يوماً فيوماً ولكن إذا احتفظ أحدهم بالمن لليوم التالي كان يجده قد فسد.

الخبز الروحي:
يفهم بعض الآباء من لفظة (الخبز) المذكورة في الصلاة الربانية، ليس فقط كل ما نحتاجه من قوت لحفظ الجسد حياً، ونامياً، وقوياً، بل أيضاً كل ما يمنحنا إياه اللّه من مواهب لأجل استمرار الحياة الروحية للروح لخلاصها ونيلها الحياة ونمو العطايا الصالحة لها.
ففي طلبنا (خبزنا) نطلب خبزنا الروحي الذي هو المسيح يسوع ربنا الذي نتغذى به روحياً، ونتوق إلى هذا الغذاء الروحي كل يوم، فقد قال الرب عن نفسه: «أنا هو الخبز الذي نزل من السماء»(يو 6: 41 وقال أيضاً: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه»(يو 6: 56) وقال لتلاميذه: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» (مت 26: 26) فمثلما يتغذّى الجسد من الخبز البسيط، كذلك تتغذى الروح من الخبز الحي الذي هو القربان المقدس. وقد قال الرب على لسان صاحب الرؤيا: «من يغلب أعطيه المنّ» (رؤ 2: 17).
وكذلك يفسّر بعضهم «الخبز» بكلمة اللّه المعطاة منه تعالى في كتابه المقدس، فعلى المؤمن أن يواصل دراسة الكتاب، لتكون كلمة اللّه غذاء روحياً له.

الطلبة الخامسة
«واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً لمن أخطأ إلينا» (مت 6: 12):
إن الخطية حال فساد الإرادة لدى الإنسان، وقد وصفت بأنها التعدي على وصايا اللّه، كقول الرسول يوحنا «من يفعل الخطية يفعل التعدي» (1يو 3: 4) فإذا قلنا تعدى السهم الهدف، نعني بذلك أنه لم يصبه، أي خرج عنه، وكذلك من يخطئ يكون قد تعدى وصايا اللّه وخرج عنها. فإن جوهر الخطية هو مقاومة اللّه بعدم إطاعة أوامره وتجنّب نواهيه وإهمال وصاياه تعالى. وإحدى الألفاظ السريانية لكلمة خطية هي: (حَوبو) وتعني (الدَّين) والدين هو عدم الوفاء بالواجب. فنحن نخطئ عندما لا نفي بواجبنا للّه، أي لا نقوم بواجبنا نحوه تعالى. فليست الخطية إذن عمل الشر فحسب بل هي أيضاً عدم عمل الخير. ليست هي تجنّب الرذيلة فقط بل أيضاً عدم ممارسة الفضيلة. وإذا كانت شريعة العهد القديم شريعة نهي، فشريعة العهد الجديد هي شريعة أمر.
وفي هذه الطلبة يريدنا الرب أن نفحص قلوبنا، ونعترف أمامه بأننا خطاة. فإننا وإن كنا قد تبررنا بدم المسيح يسوع مخلّصنا، فإننا معرّضون للسقوط في الخطية طالما نحن لابسون الجسد، كقول الكتاب «لأنه ليس إنسان لا يخطئ» (1مل 8: 46). ولكي نعطي مجداً للّه، علينا أن نعترف بخطايانا، كما فعل العشّار حين وقف بخشوع أمام اللّه، وهو يقرع صدره ويقول: «ارحمني اللهم أنا الخاطئ» (مت 18: 13) ونزل إلى بيته مبرراً.
إن الرب لا يشاء موت الخاطئ بل أن يتوب فيحيا، لذلك فسح لنا مجال التوبة ووعد بأن يقبل كل من يقبل إليه تائباً، ولا بد من أن يسبق المغفرة ندامة تامة، وتبكيت صارم، وجزم بعدم العودة إلى الخطية، وتغيير لسيرة الإنسان كبرهان على صدق توبته، وعلامة على قبول اللّه له ونيله المغفرة. وفي الصلاة الربانية ونحن نطلب المغفرة من أبينا السماوي، نؤكّد له بأننا قد نفّذنا أوامره، وغفرنا لكل من أخطأ إلينا بأي نوع كان. لأن هذه الطلبة مشروطة، لذلك يؤكّد الرب على وجوب إتمام الشرط فيها، فبعد أن انتهى الرب من سرد الصلاة الربانية قال: «فإنكم إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم، وإن لم تغفروا للناس فأبوكم أيضاً لا يغفر لكم زلاتكم» (مت 6: 14و15). فإذا كان اللّه القدير يغفر لنا ذنوبنا فما أجدر أن يغفر بعضنا لبعض الخطايا والذنوب. وقد أمرنا اللّه أن نحبّ بعضنا بعضاً وحتى أن نحبّ أعداءنا (مت 5: 44) والمحبة تقودنا إلى المغفرة. وقد أوصانا الرب أيضاً قائلاً: «إذا قمتم للصلاة اتركوا لمن لكم عليه شيء كي يغفر لكم أبوكم السماوي خطاياكم» (مر 11: 25). وكان هو مثالاً لنا فعلى الصليب طلب من أبيه أن يغفر لصالبيه لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34) وقد اقتدى به اسطيفانس بكر الشهداء فطلب المغفرة لراجميه بقوله: «يا رب لا تقم لهم هذه الخطية» (أع 7: 6).

ولما سأل بطرس الرب مرة قائلاً: «كم مرة يُخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له. هل إلى سبع مرات. قال له يسوع لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات» (مت 17: 21و22) ثم ضرب مثل الإنسان الذي حاسب عبيده وسامح العبد الذي كان مديناً بعشرة آلاف وزنة. ولما خرج هذا العبد من عند سيده وجد واحداً من العبيد رفقائه كان مديناً له بمئة دينار فأمسكه، وأخذ بعنقه قائلاً: أوفني ما لي عليك فخرّ العبد رفيقه على قدميه وطلب إليه قائلاً: تمهّل عليّ فأوفيك الجميع. فلم يُرد بل مضى وألقاه في سجن حتى يوفيَ الدين، فلما رأى العبيد رفقاؤه مما كان حزنوا جداً وأتوا وقصّوا على سيدهم كل ما جرى. فدعاه حينئذ سيده وقال له: أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إليّ أفما كان ينبغي أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا. وغضب سيده وسلّمه إلى المعذّبين حتى يوفيَ كل ما كان له عليه. فهكذا أبي السماوي يفعل بكم أن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته» (مت 18: 23 ـ 35).

ففي طلبتنا من اللّه أن يغفر لنا ذنوبنا وفي مغفرتنا لمن أخطأ إلينا، نستأصل الغضب والحقد من نفوسنا، فإن خطية واحدة مهما صغرت تعكّر صفو حياتنا الروحية بل تضعنا في صف الخطاة المذنبين حيث تطفأ نار القداسة من قلوبنا «لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة صار مجرماً في الكل» (يع 2: 10) على حد قول الرسول يعقوب، ولذلك فالرسول بولس يوصينا قائلاً: «اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشمس على غيظكم. ولا تعطوا إبليس مكاناً وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم اللّه أيضاً في المسيح» (أف 4: 26و27و32).

الطلبتان السادسة والسابعة
«لا تدخلنا في التجربة، لكن نجّنا من الشرير» (مت 6: 13)
1 ـ لا تدخلنا في التجربة:
بعد أن طلبنا من اللّه مغفرة الخطايا، وتغمّد الذنوب، التي سبق أن اقترفناها، نطلب منه هنا أن يبعدنا عن أسباب الخطية. فالتجربة هي الامتحان، والرسوب في هذا الامتحان هو السقوط في الخطية، والمجرّب هو إبليس عدونا كقول الرسول بطرس «اصحوا واسهروا فإن إبليس خصمكم كالأسد يزأر ويجول ملتمساً من يبتلعه» (1بط 5: 8) وقول الرسول بولس: «إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات» (أف 6: 12) وهذه القوات الشريرة قوات إبليس التي تحاربنا هي عدوة اللّه وهي القوة المخربة التي صارت رمز كل أمر ضد اللّه وضد الإنسان المحب للّه. فعلينا أن نحاربها لنكون إلى جانب اللّه ومحاربتها تكون بسلاح الصلاة والصوم كوصية الرب: «وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم» (مت 17: 21).

وإننا جميعاً معرّضون للتجارب، خاصة بعد نوال مغفرة خطايانا حيث يتفاقم الخطر علينا بالسقوط ثانية في الخطية، لذلك يقول الرسول بولس: «إذاً من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط» (1كو 10: 12) ويكشف لنا الرب يسوع حيل إبليس وأساليبه في القتال بقوله تعالى: «إذا خرج الروح النجس من الإنسان فإنه يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولا يجد. ثم يقول ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه. فيأتي ويجده فارغاً، مكنوساً مزيّناً. ثم يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أخر أشرّ منه فتدخل وتسكن هناك فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله» (مت 12: 43 ـ 45).

كثيراً ما كانت التجربة مفيدة فقد أظهرت صمود الآباء الأبرار وفضيلتهم، ولذلك يقول الرسول بولس: «فمن لا يُجاهد لا ينال الإكليل» (2تي 2: 5) وقال الرسول يعقوب: «طوبى للرجل الذي يصبر على التجربة لأنه إذا زُكي ينال إكليل الحياة الذي وعد به اللّه الذين يحبونه» (يع 1: 12). وقال أيضاً: «إن وقعتم في تجربة احسبوها لكم كل سرور» (يع 1: 2). وقد صرّح الرب يسوع بأن طريقنا إلى الملكوت مليء بالآلام «ولكن الذي يصبر إلى المنتهى يخلص» (مت 10: 22).

إن حياتنا على الأرض هي صراع دائم، وحرب طاحنة مستمرة (أي 7: 1) وقد أوصانا الرب أن نطلب من أبيه ألاّ يدخلنا في التجربة، ذلك أنه تعالى يعرف ضعف طبيعتنا كقوله: «أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف» (مت 26: 41) كما يعرف الرب جيداً ميلنا إلى الخطية وسرعة سقوطنا لذلك حذّر سمعان بقوله له: «سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت ثبّت إخوتك» (لو 22: 32). وسمعان هذا إذ وثق بنفسه أكثر مما يجب وقال للرب «لو الجئت إلى أن أموت معك لا أنكرك» (مت 26: 56) جرّب وسقط في الخطية، إذ أنكر الرب ثلاث مرات، أمام جارية حقيرة. ولولا بكاؤه، وندامته النصوح، لكان مصيره مصير يهوذا التلميذ الخائن.
ما أجمل ما كتبه الرسول بولس وهو يشجع المؤمنين على مقاومة إبليس قائلاً: «وإله السلام يسحق الشيطان عند أرجلكم سريعاً» (رو 16: 20) والرسول بولس يعرف حيل إبليس وقد كتب إلى أهل تسالونيقي يقول: «وأردنا أن نأتي إليكم أنا وأبولوس مرة ومرتين وإنما عاقني الشيطان» (تس 2: 18).

وإن إبليس عدونا يتخفّى ولا يظهر أمامنا كما فعل يوم جرّب أبوينا الأولين وقد يأتينا بشكل صديق، وناصح، ومحب. لذلك علينا أن نحذره، متجنبين أسباب الخطية ومصادرها، وأصولها ومواقعها ومريديها كما أوصانا الرب بقوله: فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم» (مت 5: 29و30 ومر 9: 47). كما يحذّرنا صاحب المزامير من معاشرة رجال السوء حيث يقول: «طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن في ناموس الرب مسرّته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، فيكون كشجرة مغروسة على مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل وكل ما يصنعه ينجح» (مز 1: 1 ـ 3).

وإن السيد المسيح مثالنا بالتغلب على إبليس. فقد أخذه الروح باختياره وسماحه إلى البرية، فجُرّب من إبليس بعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة، وجاع. وانتصر على الشيطان اللعين لينصرنا معه عليه وكلّم الرب إبليس في آخر تجربة كشخص أمامه قائلاً له: «اذهب يا شيطان» (مت 4: 10) ويقول البشير لوقا: «لما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين» (لو 4: 13) فالشيطان شخص روحي، مقتدر جداً، يقصد إهلاك الإنسان قال عنه الرب يسوع: «ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق، متى تكلّم بالكذب فإنما يتكلّم مما له لأنه كذّاب وأبو الكذاب» (يو 8: 44) ولكن الرب يسوع انتصر عليه وأعطانا النصر عليه وحق للرب أن يقول: «ثقوا أنا غلبت العالم» (لو 16: 23) ويقول الرسول يوحنا عنه: «لأجل هذا أظهر ابن اللّه كي ينقض أعمال إبليس» (1يو 3: 8). وعلى الصليب تمّ نصر الرب على عدو البشرية، إذ سحق رأس إبليس تحت الصليب وحطّم به قواه، وقصم ظهره، وهشّم أضراسه وقلّم أظفاره. وأعطانا الصليب سلاحاً لا يقهر لنحارب عدونا الروحي ونظفر به بالمسيح يسوع ربنا الذي مات من أجلنا، وقام من بين الأموات وأقامنا معه. وبذلك نجّانا من الشرير. ولكن إبليس الذي فارق المسيح إلى حين، وعاود ونزل معه في المعركة المصيرية معركة الصليب، لا يزال يحاول دائماً قهر أتباع المسيح يسوع، فعلينا ان نكون دائماً مع المسيح لنضمن الغلبة على عدوه وعدونا إبليس، وأن نكون ساهرين يقظين مصلّين إتماماً لوصية الرب «اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة» (مت 26: 41). ففي السهر والصلاة تستمر علاقتنا بالرب يسوع وغلبتنا على عدونا الروحي «ومن يغلب (قال إلهنا) هكذا يلبس ثياباً بيضاً ولا أمحو اسمه من سفر الحياة، وأنا أعترف باسمه قدام أبي وملائكته» (رؤ 3: 4) «من يغلب أجعله عموداً في هيكل إلهي» (رؤ 3: 21).

2 ـ «لكن نجّنا من الشرير»:

تعتبر هذه الطلبة تتمة للطلبة السابقة. فنجاتنا من الشرير كنجاتنا من التجربة والعكس بالعكس. والرب قد سأل أباه السماوي لأجلنا قائلاً: «لست أسأل أن ترفعهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير» (يو 17: 15) وهذا الشرير هو الشيطان الذي تظهر خطورته بحيله فهو يخفي نفسه كما فعل في الفردوس عندما جرّب أبوينا الأولين، أو يظهر بأشكال شتّى، حتى أن الرسول بولس يقول عنه: «لأن الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور» (2كو 11: 14) وما أخطر العدو المتخفي. ويوصينا الرسول بولس قائلاً: «البسوا سلاح اللّه الكامل كي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس» (اف 6: 11) فطالما نحن لابسون سلاح اللّه الكامل لا نخاف إبليس، لأن الرب يحيطنا بعنايته، ويرمقنا بعين رعايته وقد وعدنا قائلاً: «أليس عصفوران يباعان بفلس. وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا. أنتم أفضل من عصافير كثيرة» (مت 10: 29 ـ 31 ولو 12: 7). ما أسعد المؤمن الذي يشعر بأن اللّه يرعاه. كما شعر داود يوم رتل مزموره الثالث والعشرين قائلاً: «الرب راعيّ فلا يعوزني شيء. ايضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراص لأنك معي» (مز 23: 1و4) فاللّه راعينا. وهو معنا و«إن كان اللّه معنا فمن علينا» (رو 8: 31) وقد دعي اسمه علينا وهو عمانوئيل الذي تفسيره اللّه معنا، فعلينا أن نكون معه، فيهرب الشرير عنا.

الخاتمة
«لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين»:

تلخّص لنا هذه الخاتمة الصلاة الربانية. ففي بدئها أن يأتي ملكوت اللّه، والآن نعلن أن الملك له تعالى، ولا غرو فسلطانه في الأرض والسماء ويشمل سائر المخلوقات الروحية والبشرية وغيرها. كما أننا نعترف في هذه الخاتمة أن اللّه تعالى هو القوي الذي أمره ينفذ لا محالة فهو الآمر، والناهي، ولذلك طلبنا إليه في صلاتنا أن تكون مشيئته لا مشيئة أي مخلوق مهما سما.
وبما أن للّه الملك والقوة فله المجد أيضاً. وعلى سائر المخلوقات أن تمجّده، وتسبحه، وتعظّمه وتقدس اسمه الإلهي كما سبق وطلبنا إليه.

فالملك للّه خالقنا ومبدعنا، ونحن عمل يديه وعبيده وأبناؤه بالنعمة، وغنم رعيته.
والقوة لإلهنا فهو الذي يهيمن على العالمين. وقد أعطانا القوة والسلطان على الأبالسة أعدائه وأعدائنا، ولذلك عندما قال له التلاميذ السبعون: «يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك» قال لهم: «رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو. ولا يضرّكم شيء. ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السموات» (لو 10: 17 ـ 20).

وإن مملكة إلهنا ثابتة إلى الأبد. «وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 18) ليتمجّد اسمه القدوس فيها كما في السماء كذلك على الأرض «ولا يكون لملكه انقضاء» (لو 1: 33) لأن مملكته هذه لا بداءة لها ولا نهاية.

آمين: وتعني هذه اللفظة فليكن. كما تعني أيضاً: حقاً (2كو 1: 20) وإذ نختم بها الصلاة الربانية وكل صلاة كأننا نريد أن نقول اللهم اقبل صلاتنا. آمين.