الخميس, 18 تموز 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > التراث السرياني > الرهبانيـة في كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية
الرهبانيـة في كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية
بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

تعريفها:
تدعى الرهبانية فلسفة الشريعة المسيحية، وهي الزهد في الدنيا وترك حلالها وحرامها، والانصراف إلى طلب الآخرة بكبح جماح أهواء الجسد، وضبط نزواته وتجنب كل ما لا ينسجم والحياة المسيحية الطاهرة النقية.

النسك الفردي:
بدأت الرهبانية بحياة العزلة عن الناس في خلوة فردية تامة بقصد العبادة، فكانت نسكية فردية فدعيت الرهبانية التوحدية لتوحّد النسّاك أي بإقامة كل واحد منهم لوحده انطلاقاً من شعوره بوجوب التجرّد من كل شيء في هذه الدنيا، والابتعاد عن كل إنسان، وعلى قدر الإمكان، للاختلاء بربه صلاةً وصياماً في سبيل الفوز بالحياة الأبدية.

الرهبانية الديرية:
وتطورت الرهبانية من نسكية فردية إلى حياة شركة روحية واجتماعية حيث تجمّع بعض النسّاك تحت قيادة أب واحد روحي، وعالم خبير، يرشدهم إلى طريق الكمال، ثم أسست الأديرة لهذه الغاية وكانت تدار أيضاً من أب واحد له خبرته العميقة في الحياة الرهبانية والنسكية فدعيت (بالرهبانية الديرية) ووضعت النظم الداخلية للأديرة التي حددت فيها العلاقات الروحية والاجتماعية بين الرهبان وعلاقتهم مع أبي الدير ورئيسه ومع معاونيه من الشيوخ العلماء الأفاضل الذين يرشدون المبتدئين إلى أصول الحياة الرهبانية ويدربونهم ويهتمون برعايتهم. ورغم وجود الأديرة ظلّت الحياة النسكية قائمة وانتشر النسّاك والزهاد في الكهوف والمغاور كما أن العديد منهم كانوا يقضون أيام الأسبوع في كهوفهم وقلاليهم ومحابسهم منفردين داخل أسوار الأديرة أو خارجها، ويجتمعون في فجر أيام الأحد، ليشتركوا مع إخوانهم ورئيس ديرهم بالقداس الإلهي ويتناولوا معهم طعام المحبة (الأغابي) ثم يعودون إلى مناسكهم.

الرهبانية في الأديان القديمة:
لم تخلُ الأديان القديمة من ممارسات شبيهة بالنسك والرهبانية في المسيحية، من ترويض للجسد لضبط نزواته، عن طريق الصوم والصلاة، وإجهاده بالعمل الشاق لتستنير الروح. ولكن هذه الممارسات في الأديان القديمة بعيدة كل البعد عن روح التوبة النصوح التي عن طريقها يطمح الراهب المسيحي إلى بلوغ الكمال الإنجيلي، وذلك بأدائه فرائض الرهبانية التي لا يقصد بها تعذيب الجسد لأجل التعذيب، بل ترويضه لفسح المجال الواسع للروح لتتنشّط بممارسة الفضائل، والتحلّي بالمزايا الحسنة. إذن قد أخطأ من ظنّ أن أصل الرهبانية المسيحية موجود في الديانات السابقة من فرعونية مصرية أو بوذية هندية أو حتى يهودية.

النسك في العهد القديم:
ولكن لا ينكر أن إيليا النبي مثلاً الذي ذكر في أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس كان مثالاً للنساك المتوحّدين الزاهدين العازفين عن الدنيا وما فيها من مغريات. وقد ذكر عنه أن اللّه سبحانه وتعالى أمره قائلاً: «انطلق من هنا واتجه نحو المشرق واختبئ عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن فتشرب من النهر وقد أمرت الغربان أن تعولك هناك. فانطلق وعمل حسب كلام الرب وذهب وأقام عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن. وكانت الغربان تأتي إليه بخبز ولحم صباحاً وبخبز ولحم مساءً وكان يشرب من النهر»(1مل 17: 2 ـ 6).
كما كان يوحنا المعمدان يحيا حياة ناسك، فقد تربّى في البرية منذ طفولته «وكان يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه ويأكل جراداً وعسلاً برياً»(مر 1: 6).

أصل الرهبانية المسيحية:
استمدّت الرهبانية المسيحية مبادئها من الاقتداء بحياة الرب يسوع على الأرض والعمل بحسب تعاليمه السامية. فقد عاش الرب يسوع حياة وحدة في البرية وقد صام مدة أربعين يوما وأربعين ليلة. وكتب عنه أنه «جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليم إبليس لأن اللّه كان معه»(أع 10: 38) وعاش فقيراً باختياره وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا بفقره»(2كو 8: 9) فلم يكن له مكان معيّن يأوي إليه.
جاء في الإنجيل المقدس أن كاتباً تقدم إليه مرة و «قال له يا معلم أتبعك أينما تمضي؟ فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه»(مت 8: 20) وكان تلاميذه يجمعون الصدقات لسد حاجاته وحاجاتهم الجسدية. ولما أرسلهم للكرازة بالإنجيل؛ أوصاهم قائلاً: «وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين أنه قد اقترب ملكوت السموات، اشفوا مرضى، طهّروا برصاً، أقيموا موتى، اخرجوا شياطين، مجاناً أخذتم مجاناً اعطوا. لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم... ولا أحذية ولا عصا، لأن الفاعل مستحق طعامه»(مت 10: 7 ـ 10).
فهذا الأمر الإلهي هو الأساس الذي عليه قام نذر الفقر الاختياري الذي ينشئه الراهب. أما البتولية فمصدرها تعليم الرب يسوع أيضاً الذي قال: «ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل» (مت 19: 12). هكذا تسلّم الرسل من الرب مفهوم البتولية وفضلها على الزواج. وبهذا الصدد كتب الرسول بولس إلى أهل كورنثوس قائلاً: «ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا... فأريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتمّ في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتمّ في ما للعالم كيف يرضي امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقاً. غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً أما المتزوجة فتهتمّ في ما للعالم كيف ترضي رجلها»(1كو 7: 8 و32: 34).
هكذا نشأت الرهبانية في المسيحية نتيجة حتمية لتطبيق تعاليم الرب يسوع في السعي إلى بلوغ الكمال المسيحي، بالتجرّد والتضحية ونكران الذات، زيادة في التقرب إلى اللّه بالاقتداء بالمسيح، واقتفاء أثره، والتجنّد له، بحمل الصليب المقدس، وإنجازاً لأمره الإلهي للشاب الذي سأله عما يجب أن يعمله كي يرث الحياة الأبدية فقال له يسوع: «إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك، وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني»(مت 19: 16 ـ 22) وقوله له المجد لتلاميذه الأطهار: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، فإن من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن فسه، فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله»(مت 16: 24 ـ 27) «الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية»(مر 10: 29و30).

الدوافع الحقيقية والصادقة لطالب الرهبانية:
عقد العلامة ابن العبري مفريان المشرق (1286+) فصلاً في كتابه الموسوم بـ (الحمامة) تناول فيه الأسباب الموجبة لابتعاد الإنسان عن العالم واختياره طريق الرهبانية قال:
«يبتعد الإنسان عن العالم وشهواته لسببين اثنين: ـ فالسبب الأول حقيقي رئيسي، وهو نتيجة إلهام إلهي ينشأ في فكر الإنسان فيوقظه من سباته ليتصور ليل نهار أمامه العذاب المعدّ للخطاة في العالم الآتي، والنعيم الموعود به للأبرار في ملكوت اللّه، وهذا الأمر لا يحدث إلا نادراً ولأفراد قليلين، وفي أزمنة متفاوتة وفي بعض الأمكنة فقط.
وأما السبب الثاني فهو مجازي ومستعار، إنه محبة المجد الباطل التي تغري الإنسان بالشهرة حتى تسوقه إلى اقتناء المجد بأتعاب النسك المضنية، ومثله مثل بعض الأغنياء الذين في سبيل الحصول على المجد يضحّون بخسارة كبيرة.
وهذا السبب يحصل لكثيرين وفي كل زمان ومكان، وهو ولئن كان هيناً حقيراً، يقتضي عدم رفضه رفضاً باتاً، إذ كثيراً ما تسقط البذور على الأرض عفواً وتأتي بثمار كثيرة، وكم من بذور فلح حقلها ولكنها لم تثمر» (كتاب الحمامة).

النذور الرهبانية:
الرهبانية الحقيقية إذن هي دعوة خفية من اللّه يلبيها طالب الرهبانية مبرهناً على صدق نيته بشوقه إلى بلوغ الكمال المسيحي الذي هو اتحاد إرادة الإنسان مع إرادة اللّه بالتوبة النصوح التي يقدمها الإنسان ليكون في حالة النعمة والبر والقداسة كي يصير في حالة شركة مع اللّه تعالى فيعمل لا مشيئته بل مشيئة اللّه تعالى متجرّداً عن الدنيويات كلها. ويترجم الراهب الصالح كل ذلك بتطبيقه بالفعل النذور الثلاثة التي كان قد أنشأها، بملء إرادته وكامل حريته، علانية. وهذه النذور هي:
أولاً: الطاعة التامة أي الخضوع لإرادة رئيسه الروحي ومرشده وشيخه.
ثانياً: الفقر الاختياري وهو ألاّ يملك من متاع الدنيا شيئاً البتة.
ثالثاً: البتولية وهي ألاّ يتزوّج ويصون نفسه عفيفاً. وهذه النذور هي وعد للّه صادق يلتزم به الراهب طيلة حياته، كما أنها عهد وثيق منه مع اللّه تعالى به يوجب الراهب على نفسه إلزاماً أبدياً أكيداً تحت عقاب الهلاك الأبدي.
وإلى جانب النذور الثلاثة، هناك الفروض المسيحية التي على الراهب أن يؤديها وهي الصلاة والصوم وتوزيع الصدقات من المال اليسير الذي قد يحصل عليه من بيعه ما صنعه بيديه لتحصيل قوته اليومي بعرق جبينه. كما أن على الراهب أن يكثر من السهر، ويلزم الصمت متجنّباً الكلام الباطل مع الناس.
وقد يبتعد الإنسان عن العالم كما ذكر العلماء الروحيون لسبب مجازي مستعار وغاية غير إلهية سامية في سبيل الحصول على المجد الباطل. والعلماء الروحيون ينصحون بألاّ يرفض عمل كهذا رفضاً باتاً فقد يبدأ الإنسان بمحبة المجد الباطل، وينتهي بمحبة الله. يذكر من هذا الصنف الذين هربوا إلى البراري خوفاً من الاستشهاد في سبيل الإيمان أو من ظلم البشر فانعزلوا عن الناس وواظبوا على أعمال الزهد والتقشُّف والصوم والصلاة والسهر، وبلغ بعضهم درجة الكمال المسيحي، وصاروا قدوة صالحة للآخرين.

عوامل ساعدت على ازدهار الرهبانية وانتشارها:
ومما ساعد على ازدهار الرهبانية وانتشارها في القرن الرابع الذي يدعوه بعضهم (قرن الرهبانية)، المرسوم الذي أصدره قسطنطين الكبير في ميلان عام 313 الذي فيه أصبحت الديانة المسيحية لأول مرة في تاريخها ديانة مسموحاً بها إلى جانب الديانات الأخرى، كما أعفى الامبراطور قسطنطين بعدئذ الأعزب ومن لا أولاد له من الضرائب التي أثقلت كواهل الناس حتى قيل أنّ الكثيرين كانوا يتركون أفراد عائلاتهم ويهربون إلى البراري والقفار للتخلّص من الضرائب. كما أعفى أيضاً الرهبان من الخدمة العسكرية. فعوامل كهذه ساعدت على تشجيع الآلاف من الشبان للانخراط في سلك الرهبانية وتحمل مشقات الالتزام بنذورها وإتمام فروضها، وبساطة العيشة تحت ظلها. وإن أغلب هؤلاء في حياتهم الرهبانية ووحدتهم وبفضل مرشديهم وشيوخهم وخبراء الحياة الروحانية أعطوا ثمار الروح وسموا عن المادة، وتحرروا من عبودية الجسد، والروح المادية.
ومما ساعد أيضاً على تأييد الفكرة الرهبانية والتعمق بالتأمل، الفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي تأثر بها من الناحية النسكية الصوفية بعض آباء الكنيسة.

معرفة من هو الراهب الحقيقي:
إن الحياة الرهبانية هي حياة توبة مستمرة وإن تحلّي الراهب بالفضائل وتجنّبه الرذائل أفضل برهان على صدق نيته في التقدم إلى هذا السلك المبارك. وقد تراوده أفكار الارتداد والعودة إلى العالم فإذا صمد متحملاً مشقات أداء الفروض الرهبانية بطاعة المرشد الشيخ يكون قد انتصر على التجربة. وحتى لو لم تكن دعوته بإلهام إلهي تصير دعوة سماوية لثباته ومواظبته على الصلاة والقيام بالفروض الموجبة على الرهبان.
إن جهاد الراهب المستميت ضد إغراءات إبليس لا هوادة فيها، ولكن محبة الراهب للرب أقوى من الحياة والموت، فهو قد صلب مع المسيح أهواء الجسد، إذ حمل صليب المسيح الذي هو علامة الموت عن العالم، وتحمل احتقار الناس من أجل اسم المسيح، ليحيا الراهب مع المسيح متمثلاً بالرسول بولس القائل: «مع المسيح صُلبت لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ» (غل 2: 20).
لذلك لا يفصل الراهب عن محبة المسيح «لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة اللّه التي في المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 35 ـ 39) على حد قول الرسول بولس.
وينصت الراهب لنصيحة الحكيم سليمان القائل على لسان الرب: «يا بني أعطني قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي» (أم 23: 26) وفي هذا المضمار ينصح مار موسى ابن كيفا (930+) الراهب قائلاً: «يا بني إذا وهبت نفسك لمحبة اللّه ومخافته، لا تتقدم بقلبين بل حارب إبليس عدو البشرية بشجاعة فائقة وتشبّه بالرجل الجبار الذي ينزل إلى ساحة الوغى ليهلك الأعداء».

جهاد الراهب الروحي:
أما مار أفرام السرياني (373+) فيصف لنا فلسفة الرهبانية في قصيدة سريانية نفيسة، وكيف كان يروّض نفسه على شظف العيش ويدرّبها على محاربة أهواء الجسد والتغلب عليها قائلاً ما تعريبه بتصرف:
«كم من مرة جعت وكان جسدي بحاجة إلى الطعام ولكنني امتنعت عن تناوله لكي استحق الطوبى التي سينالها الصائمون.
ـ عطش جسدي الذي جبل من طين الأرض، ورغب في الماء ليرتوي، فأهملته ناضباً، لكي يستحق أن يذهب ويتلذذ بندى فردوس النعيم.
ـ وإذ كان الجسد دائماً يكثر مراودتي في فتوتي وشيخوختي، فإني كنت أروّضه يوماً فيوماً حتى النهاية.
ـ في صباح كل يوم كنت أفكر بأنني سأموت مساءً وكالرجل المائت لا محالة، قمت بأعباء عملي كل أيام حياتي دون ملل ولا كلل.
ـ وفي مساء كل يوم كنت أتصوّر أني لا أكون في الوجود صباحاً، فانتصب بالصلاة والعبادة حتى شروق الشمس وبزوغها.
ـ عندما سألني الجسد غفوة هو بأمس الحاجة إليها استهويته بالطوبى التي منحها الرب للايقاظ.
أقمت من نفسي للمسيح كنيسة وفيها قدمت له أتعاب أعضاء جسمي بخوراً وعطوراً.
قد صار ذهني مذبحاً وإرادتي كاهناً، وكمثل حَمَل لا عيب فيه ضحّيت بذاتي قرباناً.
ـ قد حملت نيرك يا سيدي منذ فتوتي وحتى شيخوختي، وواظبت على عبادتك حتى النهاية جذلان بلا ملال ولا كلال.
ـ تحمّلت عذاب الجوع منتصراً عليه إذ رأيتك بين اللصين تذوق المرارة لأجل (خلاصي).
ـ اعتبرت ضيق العطش وكأنه لم يكن، إذ رأيت سيدي بسبب خطيتي يمتص الخل من الاسفنجة.
ـ لم أعرِ للأطعمة أهمية. ونبذت الخمور، إذ وضعت نصب عينيّ وليمة ملكوتك أيها الختن السماوي».

على هذا المنوال كان الرهبان يروّضون أجسادهم ليتحمّلوا شظف العيش ومرارة التقشف، وقساوة طقوس الزهد وهم يكثرون السهر والصلاة والصوم والأعمال اليدوية المضنية جداً ليفوزوا بالحياة الطاهرة النقية. فيشرق عليهم نور الرب من العلاء، بل إن الكاملين فيهم قد بلغوا درجة الاتحاد به له المجد.

وقد لخّص القديس مار أنطونيوس أبو الرهبان (356+) فلسفته بالزهد بقوله: «إن قوة النفس تكون سليمة عند الإقلال من ملذات الجسد». وهذا ما عناه تماماً الرسول بولس بقوله: «حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي»(2كو 12: 10).

ويذكر القديس أثناسيوس الرسولي (373+) أن الأنبا أنطونيوس «كان يسهر طويلاً لدرجة أنه كثيراً ما كان يقضي الليل كله مصلّياً دون أن ينام. وهذا لم يفعله مرة واحدة بل مراراً حتى عجب منه الآخرون. وكان لابساً شعراً ولم يستحم بماء طوال حياته (النسكية). وكان يأكل مرة واحدة في اليوم بعد الغروب. وفي كثير من الأحيان مرة كل يومين، أو مرة كل أربعة أيام. أما طعامه فكان الخبز مع قليل من الملح. وشرابه الماء فقط... وكان يكفيه أن ينام على حصير خشن، ولكنه غالباً كان ينام على الحضيض».

تأسيس الرهبانية الديرية وتنظيمها:
عرفت الرهبانية في المسيحية منذ المئة الثانية للميلاد كما يذكر العلامة ابن العبري مفريان المشرق (1286+) وظهر في القرن الثالث للميلاد نسّاك وعبّاد ومتوحّدون في أماكن عديدة من المنطقة التي كانت كنسياً خاضعة للكرسي الرسولي الأنطاكي.
ويُعدّ القديس أنطونيوس (251 ـ 356) مؤسس الرهبانية في مصر ووصف بأنه أبو الرهبان وكوكب البرية. ويعتبر الأنبا بولا (347+) أول المتوحّدين، وقبل وفاته زاره الأنبا أنطونيوس بإلهام رباني وسمع منه قصته، كما أنبأه الأنبا بولا عن دنو أجله وأن اللّه أرسله ليقوم بمراسم دفنه. وقد عمّر الأنبا بولا نحواً من مئة وثلاث عشرة سنة وكان قد اختار الصحراء الشرقية في مصر مقراً له وسكن مغارة هناك مدة تسعين سنة وهو يقتات بنصف رغيف من الخبز يحمله إليه غراب كل يوم شأنه بذلك شأن إيليا النبي العظيم.

ولما ازدهرت الرهبانية وانتشرت الأديرة في مصر قام الأنبا باخوميوس بتنظيم الحياة فيها بحيث تتلاءم وحاجات الرهبان الروحية والجسدية والاجتماعية.

الأديرة السريانية:
أما في المنطقة التي كانت خاضعة كنسياً للكرسي الرسولي الأنطاكي أي في سورية وما بين النهرين وسواحل فلسطين الجنوبية وبادية الشام والجزيرة وجبل الرها وجبل الأزل المشرف على نصيبين وطورعبدين وقردو وألفاف قرب الموصل، فقد شيدت منذ أوائل القرن الرابع للميلاد الأديرة الكثيرة والشهيرة التي صارت منارات للعلم والمعرفة والفضيلة، وانضوى إليها آلاف الرهبان والراهبات الذين عزفوا عن الدنيا وسعوا وراء الآخرة. وتضوعت جوانب أديرتهم وكهوفهم ومحابسهم وقلاّياتهم بأريج فضيلتهم.

ذكر سوزمين المؤرّخ اليوناني (423م) في تاريخه، ثلاثين ناسكاً في براري سورية الشمالية والوسطى ويؤكّد أنهم فاقوا نسّاك مصر في ممارسة الزهد وهو إنما يقصد النخبة التي اشتهرت بالتطرف بأعمال الزهد والتقشف، أما آلاف الرهبان والراهبات فقد كانوا قد ملأوا العدد الكبير من الأديرة في تلك المناطق.

ليست الرهبانية رتبة كهنوتية:
وبهذا الصدد يقول العلامة ابن العبري مفريان المشرق (1286+): «أما الرهبانية فهي ليست من ضمن الرتب الكهنوتية لأن الرهبان أقل درجة من الشمامسة» كما قال أيضاً: «لا يسمح للراهب أن يدخل إلى المذبح ولا أن يلمس الأسرار فإن ديماثيليوس (الراهب) الذي تجرّأ على ذلك لامه ديونوسيوس العظيم لوماً شديداً» ولكن على الرغم من أن الرهبانية نشأت خارج نطاق الكنيسة، تعتبر الرهبانية قوة وراء الكنيسة، ذلك أن الرهبان والراهبات لا يعيشون رسالتهم التي هي الاهتمام بخلاص نفوسهم فقط، بل أيضاً قد اهتمّوا بخلاص الآخرين. فهم يرفعون الصلاة ليل نهار لأجل الكنيسة والعالم لتستضيء البشرية بنور الإيمان وقد حملوا مشعل الإنجيل المقدس إلى أنحاء عديدة من العالم، فأناروا دياجير الظلام، وأسدوا إلى المجتمع البشري فضلاً عميماً بنشر العلم والمعرفة.

الرهبانية في خدمة الكنيسة:
وكان النسّاك والمتوحّدون يغادرون صوامعهم وأديرتهم وينزلون إلى المدن إبّان الشدة، لتثبيت المؤمنين على التمسك بالإيمان وتحمل الاضطهاد بصبر وإيمان في سبيل ذلك، وعندما كانت البدع تتفشّى كان النسّاك والزهاد يعظون المؤمنين ليتجنّبوا الهرطقة وليثبتوا في العقيدة السمحة التي تسلّمتها الكنيسة من الرسل الأطهار. هكذا فعل القديس الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان وكوكب البرية الذي حرص ألاّ يقطع علاقته مع الكنيسة وصار خير مثال للرهبان في التعاون مع أساقفة الكنيسة. فقد غادر صومعته وقصد الاسكندرية عام 311 إبّان شدة مكسيمينوس (305 ـ 318) رغبة منه في الاستشهاد في سبيل المسيح يسوع، وكان يتفقّد المعترفين في سجونهم ويعزّيهم ويشجعهم ليثبتوا حتى الموت على الإيمان. وزار الاسكندرية للمرة الثانية سنة 355م يوم كان الأريوسيون يفتكون برجال الكنيسة والمؤمنين باضطهاد عنيف أثاروه ضد المؤمنين فخرج الأنبا أنطونيوس من عرينه يدافع عن الإيمان القويم، ويعزي المعترفين ويزور المسجونين مشجعاً إياهم على تسفيه الهرطقة الأريوسية الشنيعة فتحمّل في سبيل ذلك عذاباً أليماً.

أما مار أفرام السرياني (373+) فقد اهتمّ بتأليف جوقة مختارة من فتيات الرها السريانيات اللواتي علّمهن ما ابتكره من أنغام، وما نظمه من قصائد لتثبيت العقائد المسيحية السمحة ودحض الهرطقات، وإليه يعود الفضل في بدء تنظيم الحياة الطقسية في الكنيسة السريانية.

ومما هو جدير بالذكر في هذا المضمار أنه لما حدثت مجاعة في الرها في شتاء سنة 372 ـ 373 ومات عدد غير يسير من أهلها جوعاً، كان مار أفرام يطوف دور الأغنياء في الرها ويجمع منهم الصدقات ويوزّعها على الفقراء. وأسّس دوراً جمع فيها ألفاً وثلاثمئة سرير صارت ملجأ للعجزة، وكان يشرف بنفسه على الاعتناء بهم. وعلى أثر الجوع انتشر وباء الطاعون فانبرى مار أفرام في تطبيب المرضى ومواساتهم حتى أصيب بدوره بداء الطاعون، واحتمل صابراً آلامه المبرحة وفاضت روحه الطاهرة نتيجة لذلك في 9 حزيران 373م.

مكانة الرهبانية المرموقة في الكنيسة:
فبعد أن نشأت الرهبانية خارج الكنيسة، صارت قوة مع الكنيسة وداخل الكنيسة، فهي ليست صلاة وصوماً وزهداً وتقشفاً وسهراً وليست فقط علماً ومعرفة بل هي عنصر مهم في الكنيسة فقد جمعت بين روح الزهد والصوفية وصار الراهب في نظر الجماعة حامل رسالة سامية، هي رسالة تعاليم الإنجيل يعيشها بصدق، وينفّذها كاملة بأمانة تماماً كما يقدمها للناس. فوثق به الناس. وهكذا اتّخذت الرهبانية مكانتها المرموقة واللائقة بها في الكنيسة فاعترفت بها الكنيسة التي رأت أن تكون قيادتها من الرهبان، فانتخبت أساقفتها منهم. وهكذا كان وما زال التقليد في كنيستنا السريانية أن يؤخذ المطارنة من الرهبان، والبطاركة من المطارنة وكانوا يؤخذون أحياناً من الرهبان أيضاً. وعاش هؤلاء الرؤساء الروحيون حتى بعد ارتقائهم إلى درجة رئاسة الكهنوت حياة زهد وتقشف وكأنهم ما يزالون في صوامعهم، كما ذكر عن مار يعقوب أسقف نصيبين ومعلم مار أفرام السرياني الذي كان يتّشح بجلد المعزى، وكان زاهداً صوّاماً قوّاماً. وهكذا ظهر فضل الرهبانية على الكنيسة وما يزال وارتبط ازدهار الكنيسة وتقدمها روحياً بازدهار الرهبانية وتمّ بالفعل ما قاله القديس أثناسيوس الرسولي (373+): «أنه منذ ضعفت الرهبانية والكهنوت ضعفت الكنيسة كلها».

ولأهمية الرهبانية شيّدت الأديرة الفخمة التي ملأها ألوف الرهبان والراهبات الذين كانوا يعبدون اللّه ويخدمون الكنيسة بحسب ما وهبهم اللّه من مواهب وبموجب النظم التي كانت أديرتهم تتبعها.
كانت الأديرة منارات للدين والعلم والمعرفة، ورموزاً خالدة للحضارة والمدنية، وكان الرهبان والراهبات مثالاً صالحاً للناس كافة. وصارت حياتهم اليومية برهاناً ساطعاً على صدق وعد المسيح للمتعبين والثقيلي الأحمال، فهو يريحهم إذا ما تبعوه وحملوا نيره عليهم وتعلموا منه الوداعة وتواضع القلب لأن نيره هيّن، وحمله خفيف (مت 11: 30) وشريعته الإلهية التي هي شريعة الكمال المسيحي، طبّقها الرهبان والراهبات عملياً وكانوا سعداء على الأرض، ونالوا ملكوت السموات إذ عبدوا اللّه بالروح والحق، كما شغفوا بتحصيل العلوم الدينية والمدنية، وأفادوا مجتمعهم والبشرية.

وانتشرت الأديرة في الجبال وعلى ضفاف الأنهار، وكانت بمثابة كليات وتتبعها مكتبات، كما أن بعض المدارس كانت تحت إدارة الرهبان، وكانوا يقصدونها من أديرتهم وأماكن مناسكهم كمدرستي نصيبين والرها. فقد اشتهرت مدرسة نصيبين في القرن الرابع، وبقيت زاهرة حتى القرن السابع وفيها نبغ مار يعقوب (338+) الذي سلّم زمام التعليم فيها إلى تلميذه العبقري مار أفرام السرياني (373+) وقد تقاطر عليها طلاب العلم الديني من بلاد ما بين النهرين السفلي التي كانت ترزح عصرئذ تحت نير الحكم الفارسي، ولذلك دعيت أيضاً المدرسة بمدرسة الفرس، وعندما سلّمت نصيبين إلى الفرس سنة 363م غادرها مار أفرام يصحبه بعض أساتذة هذه المدرسة، وانتقلوا إلى الرها حيث رئس مار أفرام مدرستها، وعلى يده ازدهرت واشتهرت، وكانت هذه المدرسة قد أنشأها ملوك الأباجرة منذ القرن الثاني للميلاد. وعندما تسلّم مار أفرام زمام رئاستها، ازدادت أهمية، وكان جبل الرها عصرئذ يضمّ أديرة لا عدد لها وقد غصّت بالرهبان وصوامع النسّاك، فاتّخذ له مار أفرام صومعة هناك، وكان تارة يتنسّك فيها، يفسّر الكتاب المقدس وينظم الميامر البديعة، وتارةً أخرى يتفرّغ للتدريس في مدرستها، كما يعلّم أيضاً في كنيستها الترانيم الروحية للعذارى خاصة، إلى أن انتقل إلى الخدور العلوية عام 373م.

ويذكر البطريرك العلامة أفرام الأول برصوم (1957+) في كتابه النفيس الموسوم باللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية، أنه تمكّن من إحصاء ثلاثة وثمانين ديرا كانت مراكز مهمة للتعليم العالي منذ فجر النصرانية، وقد اندثر أغلبها وأصبح أثراً بعد عين، كما أن أطلال بعضها باقية إلى اليوم، وصمد نزر يسير منها على رغم ما قاسى سكانها من شدائد الاضطهادات ومحاولات الإبادة، قد رفدت تلك الأديرة الكنيسة والعالم بعلماء أعلام يشار إليهم بالبنان ودبّجوا الروائع، وخلّفوا البدائع في علوم اللاهوت والفلسفة واللغات وسائر صنوف العلم والمعرفة. وعلى الرغم من ضياع العديد من مؤلفاتهم النفيسة، فلا تزال أشهر مكتبات العالم ومتاحفه تفخر بما تملكه من مخطوطات سريانية. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض هذه الأديرة الشهيرة، مقتبسين ذلك عن بعض المصادر أولها وأهمها كتاب اللؤلؤ المنثور للبطريرك العلامة أفرام الأول برصوم. فمن هذه الأديرة المندثرة اخترنا ما يأتي:
1 ـ دير قنسرين: باسم مار توما الرسول، شيّد على شاطئ نهر الفرات بسورية حوالي سنة 530، وكان يضمّ في ذلك الزمان ثلاثمائة راهب تخرّج فيه سبعة بطاركة منهم البطريرك أثناسيوس الجمّال (631+) وخمسة عشر أسقفاً وكان عامراً حتى صدر المئة الثالثة عشرة ثم اندثر. ومن أشهر العلماء الذين درسوا فيه سويرا سابوخت، الفيلسوف الكبير في القرن السابع الذي خلّف لنا مؤلفات فلسفية وفلكية بديعة وعلى يده وصلت الأرقام الهندية إلى العرب.
2 ـ دير قرقفتا: شيّده مار شمعون بين راس العين والحسكة بسورية على ضفة الخابور وذاع صيته في القرن الثامن، وعرف رهبانه بضبط حركات الكتاب المقدس، تخرّج فيه ستة أساقفة، وكان عامراً حتى منتصف القرن العاشر.
3 ـ دير مار برصوم: ذكر في القرن الثامن للميلاد، وقد بني على رأس جبل بقرب ملطية في تركية، وصار كرسياً بطريركياً في القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر، وتخرّج فيه خمسة بطاركة وأربعة وثلاثون مطراناً. وكان عامراً آهلاً حتى القرن السابع عشر. وممن تخرّج فيه مار يعقوب ابن صليبي مطران آمد (1171+) والبطريرك ميخائيل الكبير (1200+) والمفريان مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري (1286+)، وكانت له مكتبة عامرة حفلت بعدد وافر من المخطوطات السطرنجيلية.
4 ـ دير مار زكا: بالرقة في سورية، ترهّب فيه يوحنا التلي سنة 508م وتخرّج فيه البطريرك يوحنا الرابع، وعشرون أسقفاً. نزل فيه هارون الرشيد الخليفة العباسي فاستطابه وأكرم أهله.
5 ـ دير البارد: أسّسه البطريرك يوحنا السابع في القرن العاشر في أطراف ملطية، أنجب بطريركاً ومفرياناً وثمانية عشر أسقفاً ومطراناً، وكان موطناً للتعليم حتى السنة 1243.

أما الأديرة التي ما تزال عامرة وآهلة فهي:
1 ـ دير الزعفران: ويقع شرقي ماردين بتركيا، عُمّر على أنقاض قلعة في أوائل القرن السادس للميلاد، وذاع صيته منذ أواخر القرن الثامن وصار سنة 1293 كرسياً لبطريركية أنطاكية للسريان الأرثوذكس، وبقي كذلك نيفاً وستمائة سنة، رفد الكنيسة بواحد وعشرين بطريركاً وتسعة مفارنة ومئة وعشرة أساقفة، ولا يزال عامراً آهلاً وفيه مدرسة دينية ابتدائية يديرها ويعلّم فيها أكثر من راهب.
2 ـ دير مار كبرئيل: شيّده في أواخر القرن الرابع الناسكان مار صموئيل ومار شمعون، وصار كرسياً لمطارنة طورعبدين منذ سنة 615 ـ 1049م، جلس على كرسيه المطران مار كبرئيل في القرن السابع (667+) فدُعي الدير باسمه. تخرّج فيه أربعة بطاركة من جملتهم تيؤدوسيوس (887 ـ 895م) الذي برع في الطب وألّف فيه كتاباً عرف باسمه. كما تخرّج فيه مفريان واحد وثمانون أسقفاً واشتهر رهبانه عبر العصور بصنع الرقوق وتهيئتها للكتابة، وأجادوا بنسخ الكتب وتجديد الكتابة السطرنجيلية على يد المطران يوحنا عام 988م، وهو الآن عامر آهل بالرهبان والراهبات وهو كرسي لمطران طورعبدين وفيه مدرسة مهمة.
3 ـ دير مار مرقس الإنجيلي: ويدعى أيضاً دير السيدة في القدس. ترتقي عمارته إلى المئة الخامسة، يشهد بذلك أثر سرياني اسطرنجيلي ظهر في بيعته عام 1940 وهو العلية التي أكل فيها الرب العشاء الأخير. وقد صار كرسي مطرانيتنا ومسكن رهباننا في القدس منذ سنة 1472، تخرّج فيه تسعة مطارنة.
4 ـ دير مار متى: في الموصل ـ العراق، شيّد في أواخر القرن الرابع وهو كرسي مطراني سكنه في حقبته الأولى عدد كبير من الرهبان، تهدّم ثم جدّد عام 1845. تخرّج فيه ثلاثة بطاركة وستة مفارنة وأربعة وعشرون مطراناً، وهو عامر آهل وفيه كرسي مطراني.
5 ـ دير السريان في مصر: يقع في برية الإسقيط شيّد في القرن الخامس واشتراه تاجر سرياني اسمه ماروثا التكريتي في أواسط المئة السادسة، وأوقفه على الرهبان السريان. وكان يحوي منهم سبعين راهباً عام 1084 وظلّ آهلاً بهم إلى منتصف المئة السابعة عشرة، وهو عامر آهل اليوم بالرهبان الأقباط.

الرهبانية في كنيستنا السريانية اليوم:
عانت كنيستنا السريانية صنوف الشدائد خاصة منذ ضحى الألف الثاني للميلاد، وأضعفتها أيضاً الانقسامات الداخلية نتيجة التيارات العشائرية والقبلية، ومحاولة الكنائس الغربية، اقتحام قلاع الكنائس الشرقية ومن جملتها كنيستنا السريانية، واستقطاع شرائح من أتباع الكنائس الشرقية وإخضاعهم لتلك الكنائس الغربية مستغلين في هذا الميدان نفوذ بعض الدول الأجنبية السياسي، وجهل حكام الدولة العثمانية، فضعف تأثير إكليروس الكنيسة السريانية التي لم تطلب حماية أية دولة أجنبية انطلاقاً من إيمانها بأن اللّه وحده حاميها. ولهذه العوامل القاهرة ضعفت الرهبانية، وإذا ضعفت الرهبانية ضعفت الكنيسة كما قال الآباء. وشعرت الكنيسة في عصرنا هذا بحاجة ماسة إلى نهضة روحية ثقافية، وشجّعت أبناءها على تكريس النفس والانخراط في سلك الرهبانية والانتماء إلى أحد البقية الباقية من أديرتنا.

كما أن الكنيسة اهتمت خاصة بمدرسة مار أفرام الكهنوتية التي كان قد أسّسها العلامة البطريرك أفرام الأول برصوم في الثلاثينات في زحلة ـ لبنان، ثم انتقلت إلى الموصل بالعراق ثم إلى لبنان ثانية ثم توقفت، فأعدنا فتحها في دمشق، وتخرّج فيها ويتخرّج رهبان يشعرون بضرورة التضحية ونكران الذات والسعي للنهوض بالكنيسة، ونسعى بإرسال بعض خرّيجيها إلى كليات لاهوتية في الخارج لإكمال دراساتهم العليا، فلنا الآن عدد لا بأس فيه من الرهبان يدرسون في كليات لاهوتية في أثينا وروما، وغيرهم يدرسون بكليات شتى في أوربا وأميركا. كما أسّسنا رهبنة مار يعقوب البرادعي للراهبات وأرسلنا اثنتين منهن إلى تسالونيكي لإكمال دراستهما. وقد شيّدنا بنعمة اللّه بناء جديداً لكلية مار أفرام الكهنوتية في معرة صيدنايا التي تبعد عن دمشق نحو خمسة وعشرين كيلومتراً، وسمّينا البناء بدير مار أفرام الكهنوتي وسيكون أيضاً مركزاً للدراسات السريانية ومركزاً للشباب السرياني العالمي، وكذلك مركزاً مسكونياً. ونحن نشجع أبناءنا الإكليروس السرياني إلى السعي للتعاون مع سائر الكنائس المسيحية لبلوغ الوحدة المسيحية إن شاء الله.

هكذا بنعمة اللّه نسعى إلى إيجاد كادر قيادي روحي في الكنيسة بتشجيع الرهبانية ونحن مقبلون على استقبال الألف الثالثة للميلاد، نطمح إلى إعادة أمجاد آبائنا الميامين الذين على الرغم مما صادفهم من الاضطهادات والمشقّات، حملوا مشعل الإنجيل المقدس إلى أنحاء العالم.
ومن المفيد أن نذكر ههنا أيضاً، أن لنا في دير مار كبرئيل ودير الزعفران في تركية مدرستين، وكذلك مدرسة إكليريكية في الموصل ـ العراق، وكلية لاهوتية في الهند. ولمحبة السريان للرهبانية فقد أسّسوا دير مار أفرام في هولندا بهمة مطرانهم الجليل مار يوليوس عيسى جيجك، واشتروا مؤخّراً ديراً في ألمانيا وآخر في سويسرا. ونأمل أن تزدهر الرهبانية السريانية حيث تواجد السريان في العالم.