الخميس, 18 تموز 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > التراث السرياني > المرأة في مفهوم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية
المرأة في مفهوم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية
بقلم قداسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

عندما نتناول موضوعاً كهذا بالدرس ننطلق من كون كنيستنا السريانية الأرثوذكسية هي كنيسة رسولية تقليدية عريقة، فنستند ببحثنا إلى الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة الذي هو تعاليم الرسل التي لم تدون في أسفار الكتاب المقدس، وقرارات المجامع المسكونية والعامة والمكانية والممارسات الطقسية وتعاليم ملافنة الكنيسة القديسين، وهذه كلها تسلمها الخلف من السلف. فالكنيسة السريانية باستنادها إلى الكتاب المقدس ترى أن المرأة مساوية للرجل إنْ في الحقوق أو الواجبات. ذلك أنّ الله خلق الإنسان، ذكراً وأنثى كما يقول الكتاب المقدس، وخلقه على صورته كمثاله، ولذلك فالمرأة والرجل متساويان لأن الله تعالى لم يخلق أكثر من امرأة واحدة للرجل الواحد كما لم يخلق أكثر من رجل واحد للمرأة الواحدة، وعن اتحادهما في الزواج يقول الكتاب المقدس: «ويكونان كلاهما جسداً واحداً» (تك 2: 24 ومت 19: 5 ومر 10: 8 وأف 5: 31). هذا هو الإنسان ـ آدم ـ الذي أخذ الله منه ضلعاً وخلق له حواء معيناً «فقال آدم هذه الآن عظمٌ من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئٍ أخذت» (تك 2: 23) وقد خلقا معاً على صورة الله كمثاله، وصورة الله هي الروح التي أعطاها الله للإنسان عندما نفخ في أنفه نسمة الحياة فصار آدم نفساً حيّة، فالروح الحية باتحادها بالجسد الترابي أعطته حياة، وصورة الله في الإنسان هي أيضاً العقل والضمير وقوة الاختراع والسيادة على بقية المخلوقات، وهذه القوة وهبها الله للإنسان عندما خلقه الله قديساً على شبهه تعالى الذي هو قدوس وسلّطه تعالى على الكائنات. كان الإنسان واحداً «ذكراً وأنثى خلقهما» معاً، فالسلطة أعطيت لكليهما وعندما أخطأا خسرا نعمة القداسة، ولكن المسيح يسوع فدانا بموته الكفاري وبذلك أعاد صورة القداسة إلى الإنسان كرجل وكامرأة بالتساوي. كما أنّ الله تعالى ساوى بين المرأة والرجل، في العهد القديم ففي الوصية الخامسة يقول: «أكرم أباك وأمك»(خر 20: 12) كما جاء أيضاً في كتاب الأمثال قول سليمان: «يا بني لا تترك شريعة أمك، أربطها على قلبك قلد بها عنقك، إذا سرت تهديك، وإذا نمت تحرسك، وإذا استيقظت فهي تحدثك» (أم 6: 20). ولكن الذي شوّه مفهوم وصايا الله هم آباء اليهود بتعاليمهم البعيدة عن روح الشريعة الإلهية. وبهذا الصدد قال الرب يسوع لليهود: «لماذا تتعدّون وصية الله بسبب تقليدكم فإنَّ الله أوصى قائلاً أكرم أباك وأمك ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً وأما أنتم فتقولون من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذي تنتفع به مني، فلا يكرم أباه وأمه. فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم» (مت 15: 3ـ 6).

أجل! إنَّ الرب يسوع المسيح رفع مقام المرأة في شخص العذراء مريم، فقد اختارها لتكون أماً له لعفتها وقداستها فاستحقّت أن يحلّ عليها الروح القدس ويطهّرها وينقيها من الخطيئة ويقدسها. حينذاك حلّ في أحشائها نار اللاهوت ليولد الابن الإلهي منها إلهاً متجسداً، ونحن ندعوها (يلدة ءلؤا) ثيوتوكوس أي والدة الله التي ولدت الإله المتجسّد، فهذه المرأة العذراء أعادت إلى المرأة حواء مقامها الأول الذي فقدته من جرّاء سقوطها في الخطيئة، ومع هذا لم تنل العذراء مريم موهبة الكهنوت المقدس ولئن سمت على الأنبياء والكهنة والشهداء والمعترفين والرسل والمبشرين فهي التي أنبأت الرسل بما جرى لها ومعها بدءاً من بشارة الملاك جبرائيل لها بالحبل الإلهي. فالعذراء مريم أول من بشّر بالمسيح وآمنت بقدرته الإلهية ونعتبرها أسمى من الأنبياء وقد تنبأت عن نفسها قائلة: «هوذا منذ الآن جميع الأجيال تُطوّبني لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتقونه»(لو 1: 48ـ50). والرب يسوع كرّم أمه العذراء مريم وهو طفل، واعتنى بها موفّراً لها معيشتها وهو شاب بعد موت يوسف خطيبها. وكرّم أيضاً النسوة عامة لأنه أشفق على السامرية الخاطئة المنبوذة من شعبها وكلّمها في الوقت الذي كان معلمو الشريعة اليهود لا يكلمون امرأة في الطريق ولو كانت تلك المرأة من أقرب أقربائهم. وأشفق الرب يسوع أيضاً على الخاطئة التي أراد الفرّيسيون رجمها فغفر لها. إن السيد المسيح فعل ذلك في الوقت الذي كان اليهود لا يحسبون حساباً للمرأة. فعندما نقرأ عن أعجوبة إشباع خمسة آلاف رجل بخمسة أرغفة وسمكتين، التي دوّنها الرسول متى في الإنجيل المقدس قائلاً: «والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأطفال»(مت 14: 21) نفهم من هذا التعبير الذي كان سائداً عند اليهود، أن المهم لديهم هو الرجل أما المرأة والطفل فمتساويان بعدم الأهمية. لكن الرب يسوع أعار المرأة اهتمامه الإلهي، فكانت بعض النساء يتجولن معه ويخدمنه ويخدمن تلاميذه وكان صديق مرتا ومريم وأليعازر أخيهما (يو 11: 5) ولا بد أن نذكر في هذا المجال بأن النساء أخلصن للمسيح فقد تبعنه وهو في طريقه إلى الجلجلة وبكين عليه ومعه وتألمن كثيراً عندما رأينه معلقاً على الصليب يتألم ويتكلم، وسمعنه يوصي بأمه العذراء مريم، معلماً كل إنسان أن يكرم أمه ويعتني بها، وتبعنه إلى القبر الجديد حيث دفن جسده الطاهر وكنَّ أول من جاء إلى القبر باكراً ليطيبن جسده... وكنَّ أول من رآه بعد أن قام من بين الأموات وأول من آمن بقيامته وبشر بها. وساعدت المرأة الرسل والمبشّرين في ميدان نشر البشارة المحيية، فقد جاء في سفر أعمال الرسل عن بنات فيلبس الأربع اللواتي كنّ عذارى وأنهنّ كنّ يتنبأنّ (أع 21: 9) وكان فيلبس المبشر أحد الشمامسة السبعة ،ونقرأ للرسول بولس وهو يدحض آراء الذين احتجوا عليه لاصطحابه معه امرأة في جولاته التبشيرية قائلاً: «ألعلّنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجةً كباقي الرسل وأخوة الرب وصفا» (1كو 9: 5). هذا علاوة على أهمية دور المرأة في بناء الأسرة وتنظيمها، وتربية الأولاد وتنشئتهم وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «إن المرأة تخلص بولادة الأولاد»(1تي 2: 15) ويقصد الولادة الجسدية الطبيعية والولادة الروحية من فوق من السماء. وإننا نرى أن هذه المرأة التي أصبحت على استعداد لتلد الناس من السماء كانت قد ولدت هي أيضاً من السماء. فإذا كان الله تعالى في البدء قد خلق الإنسان ذكراً وأنثى، وساوى بينهما بالحقوق والواجبات، ففي عهد الفداء خلقنا ثانية من السماء عندما حلّ الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة، وكان في العلية مائة وعشرون شخصاً رجالاً ونساءً وعندما دوّن لوقا هذه الحادثة أحصاهم جميعاً ولم يكتفِ بإحصاء الرجال فقط لذلك لم يقل ماعدا النساء حيث قد حلّ الروح القدس على الجميع، على الرسل والتلاميذ، وعلى النسوة في آنٍ معاً، وفي مقدمة النساء كانت العذراء مريم والدة الإله المتجسّد ونالوا جميعاً مواهب الروح القدس السامية النساء كالرجال، وكانت النساء قبيل ذلك تشارك الرجال بالصلاة في العلية، وهم جميعاً ينتظرون مجيء القوة من العلاء، فحلّ الروح القدس عليهنّ كما حلّ على الرسل وسائر التلاميذ بشبه ألسنة نارية بدون تفريق بين الرجل والمرأة. ويصف البشير لوقا في سفر أعمال الرسل هذا الحدث الإلهي قائلاً: «وكان عدة أسماء معاً نحو مائة وعشرين... ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفسٍ واحدة.. وامتلأ الجميع من الروح القدس» (أع 1: 14 و 2: 1) والروح القدس هيأهم جميعاً لحمل بشارة الإنجيل إلى العالم، وصانهم من الزلل والخطل وذكّرهم بكل ما قاله الرب يسوع لهم فتمسّكوا بتعاليمه السامية ونشروها. ولا بد أن نذكر في هذا المضمار المؤمنات اللواتي كنّ يخدمن في قصور الملوك والعظماء والرؤساء والنبلاء كيف أنهن كنّ مبشّرات بالإنجيل المقدس قولاً وعملاً وخاصة بتربية الأطفال وبالسيرة الصالحة، وبواسطتهن انتشر الإنجيل المقدس بهدوء وقوة كالخميرة التي تخمّر العجين كلّه، واقتحم الإنجيل ولكن بسلام قلاع الوثنية الضالّة والمضلّة واليهودية التي كانت قد حادت عن الناموس فخضعت جماهير غفيرة من الديانتين في بدء المسيحية للإنجيل المقدس. ونحن ككنيسة تتمسك بالإنجيل المقدس والتقليد الرسولي والكنسي لابدّ أن نعترف بأن الله أنعم على بعض النساء بمواهب قيادية روحية سامية، ظهرت عبر الدهور والأجيال بوضوح في سيرهن، وللكنيسة السريانية حظ وافر في هذا الميدان. وللمرأة السريانية الكرامة الكبرى في الكنيسة لما لعبته من أدوار فعالة في خدمتها. ونذكر في هذا المضمار هيلانة الملكة المسيحيةً التي كانت ابنة قسيس سرياني بجوار الرها، وربّت ابنها قسطنطين التربية الصالحة ونذرت أنه إذا تنصّر ستذهب إلى أورشليم وتفتش عن خشبة الصليب، وأتمّت نذرها. ولا بد أن نذكر أيضاً في هذا المجال المرأة التي صارت فخر الكنيسة السريانية وتربعت على عروش قلوبنا وتلت العذراء مريم مكانة وقدراً وإكراماً لدينا إنها الإمبراطورة تيودورة زوجة الإمبراطور جوستنيان، في القرن السادس للميلاد. كانت هذه المرأة العجيبة سريانية ابنة قسيس منبج السرياني في سورية. ونحن نجلّها ونبجّلها ونطّوبها لأنها كانت تعزي آباءها الروحيين أحبار الكنيسة الأجلاء وتستقبلهم باحترام وتخدمهم في الزمن العصيب الذي كانت الحكومة البيزنطية تضطهدهم فيه وتشرّدهم وتنفيهم وتقتلهم فاستشهد ألوف مؤلفة منهم وتحمّل الباقون صنوف العذاب فكانت تيودورة الملكة تعزيهم وتحميهم، ولئن لم تقوَ على إيقاف الاضطهاد الذي أثارته بيزنطية ضدهم مجاناً. وكانت تيودورة وراء إرسال بعثة تبشيرية أنارت بنور الإنجيل المقدس بلاد الحبشة. كما أننا لا ننسى أبداً الراهبات اللواتي نذرن البتولية مع العفة والفقر الاختياري والطاعة وكرّسن أنفسهن لخدمة الإنجيل المقدس عبر الدهور والأجيال. هذا ما نفهمه من تراث آبائنا وتقاليدهم وتاريخهم المجيد.
أجل! برزت أيضاً في تاريخ كنيستنا السريانية الأرثوذكسية عبر الأجيال نسوة اشتهرن بسداد الرأي والشجاعة في إعلان الإيمان، وحازت الكثيرات منهن اكليل الشهادة في سبيل المسيح وتحملت أخريات الاضطهادات وصنوف العذاب فكن في عداد المعترفات وكانت الكثيرات قد حُزن ذكاءً فطرياً مثل المرأة الرهاوية التي التقاها مار أفرام على ضفاف نهر ديصان في الرها وهي ترنو إليه، فساءه ذلك منها وزجرها قائلاً: اخفضي نظرك أيتها المرأة وتطلعي إلى الأرض فأجابته «لي أن أنظر إليك أيها الرجل لأني منك أخذت، ولك أن تخفض نظرك إلى الأرض لأنك منها جبلت»، فأُعجب مار أفرام بحكمة هذه المرأة وقال: «إن كانت هذه حكمة نساء الرها، فما هي درجة حكمة رجالها يا ترى».

وفي الرها التي ألقى مار أفرام عصا الترحال فيها بعد هجره نصيبين عام 363 على أثر استيلاء الفرس عليها، كان مار أفرام تارة يتنسّك في جبل الرها المقدس وتارة يتفرّغ للتدريس في مدرستها الشهيرة. واهتم بالحياة الطقسية، إذ أدخل إليها أناشيده المنظومة الموقعة على ألحان خاصة كما ألّف جوقة مختارة من فتيات الرها اللواتي علّمهن ما ابتكره أو اقتبسه من ألحان وما نظمه من القصائد الروحية البديعة والتراتيل الشجية التي ضمّنها العقائد الدينية وصورة الإيمان القويم.

لا شك في أن مار أفرام بتأليفه جوقة المرتلات من الشابات العذارى، رفع من مقام المرأة وبرهن عملياً على أن الرسول بولس عندما كتب في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (14: 34) قائلاً: «لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهن أن يتكلمن» فعل ذلك من باب التنظيم المؤقت ليس إلاّ، وأن هذه الصيغة من الطلب ليست عقيدة إيمانية لا يجوز تحويرها أو تبديلها، بل قضية مكانية تنظيمية، تخص النسوة اللواتي دَأبن على اللغو والهرف بما لا يجدي، في الوقت الذي يكون الجميع أمام العزة الإلهية مصلين قانتين خاشعين. وان مار أفرام السرياني بتأليفه جوقة الترتيل صار رائداً في المسيحية في هذا الميدان وأثبت حقيقة أن المرأة كالرجل لها الحق في تسبيح الله في الصلاة الجمهورية، كما أنه ساوى بينهما في نفس رسالته بقوله: «غير أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرب» (1كو 11: 11) .

ويظهر تأثير مار أفرام في تربية المرأة في الرها على جداول مياه الإنجيل المقدس والتمسك بالعقيدة السمحة وتحمل الاضطهاد في سبيل الإيمان بشجاعة فائقة. ينجلي كل ذلك من حادثة المرأة الرهاوية في اضطهاد واليس الأريوسي في أواخر القرن الرابع وبالضبط سنة 373م الذي كان قد عيّن أسقفاً أريوسياً في الرها، قاطعه المؤمنون، وكانوا يصلون خارج المدينة، ويوم الأحد تهافت المؤمنون في الصباح الباكر إلى خارج المدينة والجند يلقون القبض عليهم ويزجّونهم في غياهب السجون، والتقى الوالي إحدى المؤمنات وهي تركض متّجهة نحو موضع تجمع المؤمنين، حاملة طفلها الرضيع، فاعترضها وأوقفها، وذكّرها بأمر السلطة والعقاب الشديد الذي يتعرض له من يخالف ذلك الأمر، فأبدت استعدادها لتحمل العذاب في سبيل التمسك بالعقيدة الإيمانية السمحة، وسألها أيضاً قائلاً: علمنا أنك قد تركت باب دارك مفتوحاً وأنت تركضين بسرعة هائلة وقد حملت رضيعك أيضاً، فلماذا فعلت ذلك، فأجابته: أما الدار فأنا على يقين أنني لن أعود إليها، أما طفلي هذا فلمحبتي الشديدة له أريده أن ينال معي إكليل الشهادة، ليكون معي في الفردوس متنعماً ولأنقذه من الهلاك بضلالتكم.

هكذا نرى أن المرأة المؤمنة تستحق كل تكريم منّا وكنيستنا السريانية تعرف فضلها وفضيلتها وتعطيها مكانتها من الكرامة.

المرأة السريانية الشماسة والقسيسة:
من جملة العادات التي تسلّمناها من آبائنا هي عدم السماح للمرأة من دخول قدس الأقداس، وقد منعت من ذلك حتى الطفلة البريئة التي بعد أن تنال نعمة سر العماد المقدس، لا يسمح أن تزيّح داخل قدس الأقداس كالطفل الذكر. قد يكون سبب ذلك حرصاً على سمعة المسيحية التي اتهمت في بدء تاريخها بأنها ديانة إباحية. وقد يكون للحذر من السقوط في الخطية نتيجة اختلاط الجنسين في قدس الأقداس، خاصة وأن الوثنية كان لها كاهنات يبعن أجسادهن في أسواق الدعارة لجمع المال للهيكل الوثني. وقد كانت العادة التي تسلمتها الكنيسة من التقليد الكنسي أن يكون للرجال موضع خاص في الكنيسة وللنساء موضع آخر ويفصل بين الموضعين حاجز من خشب، وهذا ما نفهمه أيضاً من أحد خطب القديس يوحنا فم الذهب (407+)، وكانت آثار هذه الطريقة ظاهرة في بعض كنائسنا القديمة في جداً قبل بضعة سنوات فقط وقد شاهدناها بأم عينا.
ويبرر مار يعقوب السروجي (421+) ملفان الكنيسة القديس عادة عدم السماح للمرأة من دخول قدس الأقداس، بأحد ميامره الذي يقول فيه على لسان آدم وهو يعلم أولاده ما معناه «لا أرسل بيد حواء حنطة منقاة تقدمة للرب بلئلا تقدمها إلى مشاورها (الشيطان) ولا أقدّم ذبيحة للرب لأنني لست طاهراً إذ لا يحق للكاهن المطرود أن يقوم بذلك. إن الرِجْل التي سعت ماشيةً إلى شجرة الحياة لا يحق لها أن تطأ الموضع المخصص للأحبار (والكهنة) وإن اليد التي قطفت الثمرة (المحرمة) في فردوس عدن لا يحق لها أن ترفرف فوق القربان الإلهي».

والكنيسة ولئن منعت المرأة من دخول قدس الأقداس ولكنها سمحت لزوجة القسيس المكرّسة قسيسة، وللأرملة المكرّسة شماسة، بدخوله أحياناً في حال عدم وجود قسيس أو شماس أو أي رجل فيه.
ومن المفيد أيضاً أن نذكر في هذا المجال أنّ لدينا نحن السريان طقساً لرتبة تكريس القسيسات وآخر لتكريس الشماسات. ومن كتاب الهدايات في الشرع الديني والمدني للعلامة الكبير مار غريغوريوس أبي الفرح الملطي مفريان المشرق المشهور بابن العبري (1286+)(ب 7 ف 7) نعلم: أن الشمّاسة كانت تؤخذ من الأرامل التقيات اللواتي تتوفر بكل واحدة منهن شروط، منها أن تكون قد تزوّجت مرة واحدة فقط، وأنها بعد ترمّلها قد لازمت الكنيسة بأصوام وصلوات ولها سمعة طيبة لدى القريب والغريب، وخدمتها بعد تكريسها مقتصرة على مساعدة الكاهن والشماس خارج قدس الأقداس في طقس تعميد الكاهن للنساء والفتيات البالغات ومسحهن بالميرون، وفي تفقّد المؤمنات المريضات وخاصة في الدور التي تسكنها نسوة وحدهن ولا يرسل إليها الأسقف شماساً، لئلا تتولد شكوك لدى غير المؤمنين، فيرسل الأسقف شماسة لتهتمّ بالمؤمنات المريضات. وإذا تزوجت الأرملة المكرّسة ثانية بعد أن تعيّن شماسة تحرم هي ومن تزوجها. وتحدد بعض القوانين الكنسية عمر الأرملة التي تكرّس شماسة بأربعين سنة، وبعضها لا تحبذ أن تكرّس شماسة قبل بلوغها الستين من عمرها.

ويذكر مار سويريوس الكبير (538+) في القرن السادس، أنه كانت في بلاد المشرق (تحت ولاية الكرسي الأنطاكي) عادة أن ترسم رئيسات الأديرة شماسات ويحق لكل واحدة منهن أن تقوم بتوزيع القربان المقدس على الأخوات اللواتي تحت رئاستهن عندما لا يوجد كاهن أو شماس. ولا تقوم بخدمتها في حضور أحدهما وتضع تلك الشمّاسة هراراً على كتفها كما يفعل الشماس الإنجيلي.
وعندما لا يتوفر قسيس أو شماس في دير الأخوات، يحق لها أيضاً أن تدخل قدس الأقداس (بية قودًشا) (بشرط ألا تكون حائضة حينذاك) وعلى أن تكون مع أخواتها الراهبات فقط وتناولهن القربان. ولا تفعل ذلك للذكور حتى للأطفال منهم إذا بلغوا الخامسة من عمرهم أو تجاوزوا ذلك.

وعندما تضع هذه الشماسة (البخور) لا يحق لها أن تتلو الصلاة الخاصة التي يتلوها الكاهن عادة، لكن تتلو سرّاً صلاة التوبة.
وبإذن من الأسقف بإمكانها أن تمزج الخمر والماء في الكأس وإذا كانت مريضة بإمكانها أن تسمح لإحدى الأخوات لتدخل إلى قدس الأقداس لتكنسه وتوقد الشموع.
لا تلام الشماسة إذا قرأت الأسفار المقدسة حتى الإنجيل المقدس في اجتماع الأخوات العام في الأعياد.

وبحسب تعليم مار يعقوب الرهاوي (708+) «أنه ليس للشماسة عمل في قدس الأقداس أبداً ويحق لها فقط دخوله عندما تكنسه لتنظفه وتوقد الشموع فيه. وفي دير الأخوات إذا لم يكن هناك قسيس أو شماس قريب (منهن) يحق لها أن تأخذ القربان الذي يوضع عادة في مخزن الأسرار (الذي هو عادة شبه كوّة تحفر في الحائط الشرقي الذي وراء المذبح) ولكن لا يحق للشماسة أن تقترب من المذبح، ويحق لها أن تناول القربان المقدس للأخوات والصبيان الصغار دون الخامسة مع عمرهم فقط، وتساعد الكاهن في القيام بسر عماد النساء الكاملات البالغات بالسن وتمسحهن بالميرون المقدس وتزور النسوة المريضات».

أما من كانت تدعى قسيسة، فهي زوجة القسيس بعد أن تكرّس تدعى العهيدة برة قيما وقسيسة. وطقس تكريسها يحتفل به رئيس الكهنة بعد الانتهاء من القداس الإلهي حيث تجثو زوجة القسيس أمام باب قدس الأقداس منحنية ويبدأ رئيس الكهنة الصلاة بالابتهال إلى الله أن يؤهل المؤمنين بالتشبه بالعذارى الخمس الحكيمات في إنارة السرج بزيت الأعمال الصالحة وباليقظة والسهر لانتظار العريس السماوي في مجيئه الثاني ليدخلوا معه إلى العرس المملوء أفراحاً ويمجدوه. هكذا تسير الأدعية والصلوات في الطقس بطلب التوبة والصلاة لأجل المدعوة لهذه الخدمة كي يمنحها الرب الحكمة. والصلوات تدور حول مثل العذارى (مت 25: 1ـ13) ومثل الدعوة إلى الوليمة وإلزام الناس لدخول دار الداعي والمشاركة بالوليمة (مت 22: 1ـ14).
ثم يأمر رئيس الكهنة أن يسدل ستار يخفي المتقدمة لتتكرّس، فتخلع حليها من يديها، وثيابها الخارجية وتلبس (تنورة) ثوباً واسعاً ينزل من الخصر إلى القدمين بلون أزرق وتُمنطق بزنار أسود اللون كما يلبسونها كساءً أسود أو أزرق يوضع على الكتفين، ثم يأخذ رئيس الكهنة قناعاً أسود يرسم عليه علامة الصليب ثلاث مرات ويشده على رأسها مثل قلنسوة وهو يتلو الصلاة التالية: «حماكِ الرب وسترك بيمينه الإلهية ونجاك من تجارب الروح والجسد لتنالي نعمته إلى أبد الآبدين آمين».

ثم يتلو أحدهم فصلاً من سفر أعمال الرسل عن إحياء بطرس لطابيثا (أع 9: 36ـ42) وفصلاً من رسالة الرسول بولس إلى أهل كولوسي بدءاً من «فالبسوا كمختاري الله القديسين والمحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناةٍ... وكما غفر لكم المسيح...»(كو 3: 12ـ17).

ثم يتلو رئيس الكهنة الفصل العاشر من بشارة لوقا ابتداءً من العدد (38) وحتى العدد (42) عن مرتا ومريم حيث يقول الرب لمرتا: «مرتا، مرتا، أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمورٍ كثيرةٍ ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الصالح الذي لن ينزع منها»(لو10: 41و42).
ثم يرسم رئيس الكهنة على جبينها علامة الصليب ثلاث مرات وهو يقول: «تُختَم وتوسم وتكمل (فلانة) أي تكرّس قسيسة حقيقية لخدمة أبناء الكنيسة المقدسة فيصرخ الأرخدياقون قائلاً: بارخمور أي بارك يا سيدي. فيردف رئيس الكهنة قائلاً: باسم الآب + ويجيب الشماس (آمين) والابن + ويجيب الشماس (آمين) والروح الحي القدوس للحياة الأبدية ويجيب الشماس (آمين).
ثم يتلو رئيس الكهنة صلاة الشكر (سراً) ثم يتلو علناً صلاة لأجل المكرسة قسيسة ثم صلاة يا رب ارحمنا. والصلاة الربانية.

ونفهم من مجريات الطقس والقوانين الكنسية والصلاحيات التي كانت تُمنَح للمكرسة قسيسة، على أن تكريس القسيسة ليس سوى تكريس وتخصيص وتفرغ لا رسامة ولا رتبة كهنوتية.
ولا نعلم بالتأكيد متى ألغي هذا التكريس. ولئن كنا ندعو في أيامنا هذه زوجة كل قسيس (برة قيما). أي العهيدة كما كانت تدعى المكرّسة فقط. ولا بد أن ننوّه ههنا أن زوجة القسيس في أيامنا هذه ولئن لم تكن قد كرّست إذا حدث أي عماد للبالغات تساعد زوجها فيه ولكننا لا نعتبرها مكرّسة.

أما تكريس الشماسات فقد أعيد في عصرنا هذا وابتدأنا تكريس بعضٍ منهن مرتلات أي عضوات في جوقة الترتيل ونسميهن شماسات. وليس لهن من هذه الصفة سوى الاسم فقط وعندما يكرسن يذكر رئيس الكهنة أن فلانة تكرس شماسة مرتلة، ولا تلتزم هذه المرتلة بالقوانين التي كانت تلتزم بها الشماسة في الماضي. كما ليس لها حقوق تلك أو امتيازاتها ولا واجباتها فهي مجرد مرتلة في الكنيسة، وغالباً ما تكون خادمة في مراكز التربية الدينية. وهي كسائر الفتيات متى شاءت تزوجت وتبقى مكرسة شماسة مرتلة ومعلمة ومرشدة في مراكز التربية الدينية. قد تكون هذه خطوة مشجعة ليعاد إلى الكنيسة تكريس الأرامل شماسات، كما كان في الماضي.
وقد يعاد النظر بتقليد الكنيسة في حقوق التي تدعى شماسة أو قسيسة وواجباتها في خدمة النساء والأطفال الصغار وتنظيف قدس الأقداس وإيقاد الشموع فيه وكل ذلك وغيره قد يحدث في الكنيسة إذا ما اقتضت الحاجة في عصرنا هذا لبنيان النفوس وتقدم الكنيسة وازدهارها، ولكن لا يمكن أن يُسمَح يوماً ما في كنيستنا السريانية الأرثوذكسية الرسولية برسامة قسيسات بوظيفة الكهنة الذين يقرّبون الذبيحة الإلهية، كما يجري في بعض الكنائس غير الرسولية التقليدية. لأن هذا الأمر لا يستند إلى الكتاب المقدس فعندما اختار الرب يسوع اثني عشر رسولاً وسبعين مبشراً لم يختر في عدادهم واحدة من النساء اللواتي كن يخدمنه. وكذلك خلال عشرين قرناً لم ترسم عندنا قسيسة بوظيفة الكاهن الذي له سلطان حلّ الخطايا وربطها، وتقديم الذبيحة الإلهية غير الدموية، وغير ذكل من الخدمات الكهنوتية المعروفة.

وقد تبوأت المرأة السريانية في أيامنا هذه مراكز سامقة في جميع الميادين الثقافية والاجتماعية والدينية. فهي الطبيبة والمحامية والقاضية والمهندسة والمدرسة وعضوة البرلمان، كما أنها في الكنيسة عضوة المجلس الملي والجمعيات الخيرية والشماسة المرتلة ومعلمة مدارس التربية الدينية، وفي كل هذه المراكز هي مساوية للرجل في الحقوق والواجبات والإكرام.