الخميس, 18 تموز 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > دراسات رعوية > أساليب التعليم التربوي عند الرب يسوع
أساليب التعليم التربوي عند الرب يسوع
بقلم الربان داؤد متّي شرف

للتربية أهمية كبيرة في حياة الإنسان وأهميتها في كل زمان ومكان حيث أن التربية تجعل الفرد في تناسق وتوافق مع مجتمعه وهذا ما سيحفزه لتنمية قدراته وطاقاته الهائلة، كما تعطي التربية للفرد نضوجاً تجعله مميزاً في المجتمع وذلك عن طريق ما يتلقاه من معرفة وبهذا تتميّز إنسانية الإنسان بحيث يستطيع أن ينفع نفسه ومن حوله في البشرية وسيستطيع حل الصعوبات التي تواجهه في المجتمع وبذلك سيكون مواكباً لمجريات الحياة بالرغم من سيرها السريع الذي يتطلب الكفاءة الكبيرة لمجاراتها.

وللإنسان رابطة وثيقة في العملية التربوية حيث يعتبر الإنسان مركز ومحور العملية التربوية، حيث أن جملة الأهداف تتحقق بالفرد وغرضها إسعاد الإنسان وإيصاله إلى حالة مثلى يرتقي إليها بتفاعله مع العملية التربوية. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الإنسان والتربية حيث بدون الإنسان لا معنى لوجود التربية وبدون التربية يصبح وجود الإنسان مشوها.
ولتحقيق التربية الصحيحة يجب التطرق للأساليب والوسائل التي تحقق هذه العملية الحيوية والأساسية في حياة الإنسان ويوجد العديد من الأساليب التي تعطي للعلمية التربوية طراوة ونعومة تجعلها سلسة لدى المستمع ومن هذه الأساليب الأمثال وأسلوب الشخصية القدوة، واستخدام الأمور المرئية، وأسلوب القصص، وأسلوب المحاضرة، وأسلوب الاستفهام.
ولهذا ولأهمية العملية التربوية استخدم السيد المسيح المربي الأول والأعظم الأساليب والوسائل التربوية لتحقيق هذه العملية وسط الجنس البشري.
إن السيد المسيح فريد في تعليمه التربوي ولا مثيل له في استعمال الأساليب التربوية المتنوعة التي تميز بها حيث استخدم جميع الطرق المستعملة اليوم أو على الأقل مبادئها الأصلية التي سنلاحظ بعضها مما سيأتي:

1ـ سلوك السيد المسيح هو المثال والقدوة: «كان يسوع يتسامى حكمة وقامة ونعمة» (لو2: 25).
إن الحكمة تبرز وتشع في أقوال السيد المسيح وأعماله كلها حيث يظهر يسوع معلماً للحكمة لا بسب بلاغة لغوية جرت على لسانه يشابه بيانها أدبيات الحكماء السالفين من حيث الاستعارات والأمثال والرموز والألفاظ والكلام المأثور، ولكن بسبب ما باح به يسوع من قول حكيم ومهره بصدقية سيرته فلا يوجد من يعيب عليه ولو بخطيئة واحدة (يو8: 46) وكان عندما يتكلم ويتصرف بين الناس مثيراً للعجب لدى مواطنيه وسامعيه فكانوا يقولون: «من أين له هذه الحكمة وهذه المعجزات؟ أليس هو ابن النجار؟ ألا تدعى أمه مريم؟» (مت 13: 54 ـ 58. مر16: 1 ـ 6. لو4: 16 ـ 24).
لقد شعر الذين عاشوا مع يسوع بالحكمة في تصرفاته فكانوا يسألون عن مصدرها لأنهم كانوا يعلمون بوضاعة محيط يسوع الاجتماعي وبعامية منشئه العائلي وببساطة نشوئه التعليمي لأنه كان قد ترعرع بينهم. لقد كان الذين يعيشون حول يسوع يبهتون من تصرفاته وأعماله لأنها كانت مملوءة حكمة ووداعة. وليس بإمكان الخيال استحضار المكان والزمان والأصوات والألوان التي جعلت من تعليم يسوع التربوي حدثاً فريداً مدوناً في تاريخ قد عبر والذي لم يبقَ منه سوى صوت المربي العظيم وما دوّن من أقواله.
التدوين شيء ميت إذا لم يوجد من يبعث الحياة فيه والكتابة مادة ميتة إذا لم تتحول إلى حياة في كيان قارئها وهذا ما ميز المربّي يسوع حيث بعد عشرين قرناً تبقى الدهشة تعتري الجميع كلما تردد صدى كلمات المربي العظيم. تتصور أحياناً حكراً على المربي وفي الحقيقة إن كل مواطن وكل إنسان عموماً هو مرب لقريبه وهذا ما كان يقوم به الرب يسوع الذي كانت له شخصية سليمة وفريدة ميزته كفرد بين المجتمع حيث كانت أعماله تجعله مثالاً بين أقرانه ونحن نتلقى تربية مستمرة من تجارب الحياة اليومية ونربي الآخرين من خلال علاقتنا بهم فيمكننا الإعلان إذن أن التربية هي فن التعامل بين الناس. والتربية هي فن إيصال ذواتنا ومعرفتنا إلى الآخر فأهمية شخصية المربي تبدو أساسية لذا فالمربي الذي يقيم اتصاله مع الآخرين على عامل السلطة والعدائية، أو على استعمال كلام جارح أو سلوك غير لائق يعرض قواه التربوية للتشويه وبالعكس فمن يعرف تكييف شخصيته وكسب احترام الآخرين لأنه يحترم ذاته أولاً ويحترم رسالته التربوية ثانياً ويتقن ضبط كلماته وسلوكه وأفكاره على إيقاع الهدف التربوي المقصود فهو مرب مؤهل أكثر من سواه لنقل تجربة أو خبرة أو معرفة وكل منا يختزن في ذاكرته صورة مربين متسلطين أو بالعكس محبين مجددين فاعلين.

2ـ أسلوب الأمثال:
استعمل السيد المسيح الأمثال كثيراً في تعليمه إما بطريقة رسمية أو بطريقة غير رسمية وكان هذا الأسلوب التربوي بارزاً لدى السيد المسيح حيث كان يستخدم الأمثال لتقديم حوادث من الكتاب المقدس أو دروس أخلاقية وبهذا الأسلوب كان يسهل التعليم للمستمع.
ونرى كيف أن الرب يسوع شدّد على هذا الأسلوب التربوي حيث إذا أحصينا في الأناجيل نجد حوالي ثلاثين مثلاً وهي تشكل نوعاً أدبياً خاصاً يعرفه المربون في زمن السيد المسيح جيداً وإن الأمثال هي في الأساس أقاصيص قصيرة ولا ينبغي إساءة فهم هذا التعبير فالقصة هي سرد خيالي يعيدنا إلى تجربتنا الحياتية وكيفية فهمنا للإنسان، أما الأمثال فتنتمي إلى الأدب الإخباري والمقصود أن يقيم الكاتب أو المتكلم مقابلة بين موقف الإنسان حالياً وبين المصير النهائي الأسمى الذي ينتظره الإنسان ذاته، والأمثال التي أعطاها يسوع لا تتضمن أية قصة حب بين شاب وفتاة ولا تروي أية مغامرة ملحمية أو خارقة إنما الأمثال تعني أي شيء من حالتنا الدينية وروحانيتنا اليومية. وبالرغم من أنه يوجد بعض الأدباء يعتبرون الأسلوب الإنشائي أسلوباً ضعيفاً إلا أن يسوع لا يستنكف أن يخاطب الطفل الراقد في داخلنا حيث أنه يتوجه إلى رغباتنا وحالتنا الروحية لكي يفرحنا.
فالأمثال إذن أدوات تربوية بارزة تدوّن أوضاعنا في الوجود على صفحات هذه الحياة التي يوجد فيها مواقف الحزن والصدمات والفراق والانتصار واللقاء والأفراح، حيث تعرض أمامنا شخصيات هي بمثابة صور نموذجبة فنرى الغني متخماً بالثروة والفقير مثخناً بالقروح والقاضي الكسول المتقاعس يجعل المرأة التي تقف عند بابه تنتظره طويلاً وبقدر ما نجد شبهاً بيننا وبين أشخاص تلك الأمثال ونقاط الالتقاء بين مشكلاتنا ومشكلاتهم وآلامنا وآلامهم بقدر ما نصير قادرين على الشفاء من عذاباتنا.
إن هذا النوع من التربية عند الرب يسوع وهذا الأسلوب التربوي الجميل يضاف إلى معجزات الشفاء التي أنجزها الرب على الأرض.

3ـ أسلوب استخدام الأشياء المنظورة:
مع أن يسوع لم يستعمل الأشياء المنظورة بقدر ما استعمل أساليب أخرى فإنه استخدم مبدأ هذا الأسلوب ليجعل الحقيقة واضحة وملموسة لدى سامعيه وهناك عدة أمثلة عن استخدامه لهذا الأسلوب.
وتستخدم الأشياء المنظورة التي ترمز إلى الحقيقة ولهذا جعل الرب يسوع هذا الأسلوب أحد أساليبه التربوية لأنها تلمح إلى الحقيقة وترمز لها، ومن جملة هذه الأشياء النماذج والصور. وتنتج قيمة الشيء المنظور عن جذبه النظر وعن توضيحه للغاية المرجوة لأن تقديم الحقيقة للعين هو أفعل جداً من تقديمها للأذن في كل مناسبة تقريباً ويعتقد البعض أن أكثر من 80% من معرفتنا تأتي بوساطة هذه الطريقة ونحن نتذكر ما نراه أكثر مما نتذكر ما نسمعه بآذاننا.

ومن أبرز مناسبات استعمال الرب يسوع للأمور المنظورة ليعطي درساً تربوياً كان إيقافه الولد الصغير في الوسط لكي يعلم موقف من يدخل ملكوت اللّه (مت 18: 1 ـ 4). كان التلاميذ يعتبرون الملكوت ذا درجات ورتب فيها يتقدم الشخص الوجيه ويعترف الآخرون به حيث كان الطموح الأناني يستولي على أفكارهم لذلك أخذوا يتساءلون فيما بينهم عمن سيكون الأول ثم وجهوا السؤال إلى السيد المسيح وعلى ما يظهر لم يشرح يسوع موضوعه ولم يبحث فيه بل نادى ولداً وأوقفه أمامه ولما رأوا البساطة وعدم الأنانية والتواضع الظاهر في هذا الطفل فهموا هذا الدرس التربوي العظيم الذي كان موجهاً للبشرية جمعاء ضد شر الكبرياء وقيمة إنكار الذات وكذلك حادثة غسل أرجل التلاميذ (يو 13: 1 ـ 5) وكذلك عندما أراد أن يجرّبه الفريسيون والهيرودسيون بالسؤال عن قانونية تقديم الجزية للقيصر فلم يتأخر ولم يجادل بل طلب معاملة الجزية فناولوه ديناراً فرفع الدينار أمامهم وسألهم: «لمن هذه الصورة والكتابة؟» فأجابوه: لقيصر، فقال لهم: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه» (مت 22: 15 ـ 22) وهكذا بواسطة الشيء المنظور حقق عملين الأول جذب انتباه الناس بأسلوب رائع والثاني هو اغتنام الفرصة ليعلم مسؤولية دفع الضرائب وكذلك عندما تحدث إلى الرسل وقال لهم أن ينفضوا غبار أرجلهم (مت 10: 14) وكذلك فلسا الأرملة وهنالك أمثلة عديدة عن استعمال يسوع الأشياء المنظورة ليجعل تعليمه التربوي جذاباً ويجعل أسلوبه واضحاً ومؤثراً وهكذا فقد قدم أحسن تعاليمه.

4ـ أسلوب القصة:
القصة تحتل في العملية التربوية مكانة جيدة حيث أنها مصدر من مصادر تذوق الواقع وفيها متعة وسرور للمنشئ الذي يؤلفها وينشئها وللوسيط الذي يعرضها وللمستمع المتلقي الذي يستلمها وتؤثر القصة في نفوس الصغار والكبار على السواء شريطة أن تكون مناسبة للمستوى العقلي والفكري للمرحلة العمرية لمن تقدم لهم ولكي يكتمل البناء التربوي للقصة ينبغي أن تتضمن ثلاثة أشياء أساسية:
ـ فكرة القصة والناحية النفسية فيها للقارئ والمستمع وطول القصة أو قصرها.
ـ ترتيب عناصر الفكرة بأسلوب منطقي وتتابعها وانسجامها.
ـ اللغة والأسلوب الذي تصاغ به.
ونجد لذة في النظر إلى استعمال يسوع الواسع لهذا الأسلوب أي القصة في تعليمه التربوي ومن الأمثلة على استعمال السيد المسيح للقصة كإيضاح لحقيقة ذكرت قبلها، قصة السامري الصالح (لو 10: 25 ـ27) وأيضاً قصة الدرهم المفقود والخروف الضال والابن الضال ونلاحظ في هذه القصص صوراً جميلة عن فرح اللّه في التائب خلافاً لموقف الاحتقار الذي اتصف به قادة الدين أولئك فلم يكن هناك ما يدعو إلى شرح أو مجادلة أكثر إذ أن فن السيد المسيح قد رفع الحقيقة الإلهية كمرآة أمام أولئك المنتقدين غير الشفوقين فكشف عن موقفهم الخاطئ بواسطة هذا الأسلوب التربوي.

5ـ أسلوب المحاضرة:
يعتمد إسلوب المحاضرة على حديث المعلم وحده وقد يتخلله إجابات قليلة من المستمعين ويفترض أن تكون المحاضرة تقديماً شاملاً منظماً للحقيقة لكنها قد تقتصر عن هذا وقد تستعمل معها بعض المساعدات وقد سميت هذه الطريقة بالخطابة التعليمية.
لم يستخدم ولم ينتقد أي أسلوب آخر أكثر من هذا الأسلوب وكثيراً ما نسمع محاضرة ضد استعمال المحاضرة! فلهذا الأسلوب قوة وضعف وعلينا أن نقدره بحسب استحقاقه.
استعمل يسوع أسلوب المحاضرة أو الخطابة التعليمية كثيراً لا سيما في النصف الأول من خدمته حيث علم الجماهير أكثر من الأفراد والجماعة الصغيرة. وألقى محاضرات على الجماهير الغفيرة وعلى الجماعات الصغيرة وعلى تلاميذه وعلى الغرباء (وكان منبره سفح الجبل أو القارب الراسي على شاطئ البحيرة وكانت قاعته تحت سقف السماء الأزرق وكان سامعوه الجماهير التي اشرأبّت إليه أعناقهم منتبهين باشتياق) وقالوا عنه (أتى من اللّه معلماً). ويذكر العالم هورن ستين محاضرة ألقيت على الجماهير أو على التلاميذ أو على الفئتين، ألقاها في الهيكل، في المجامع، وفي المدن وفي الريف وعلى الجبل وقرب البحيرة وكانت مواضيعها مختلفة منها الغنى والطلاق والسبت ونشر ملكوت اللّه. وعلى ضوء قول يوحنا الإنجيلي أن العالم نفسه لا يتسع كل ما قاله يسوع يرجح أنه ليس لنا إلا شيء قليل من محاضراته وجزء فقط من التي ذكرت وهناك ثلاث محاضرات تملأ كل منها أكثر من إصحاح وهي أهم محاضراته وواحدة منها تعليمية عن الدينونة وهي تملأ إصحاحين (مت24 و25) فيها وصف ظروف مجيئه الثاني ومفاجأته والحوادث التي تتبعه وتشتمل على قصص التينة التي لم تثمر والوزنات والعذارى الحكيمات والجاهلات. وأخرى هي تعليمية تربوية على الجبل التي ملأت ثلاثة إصحاحات وهي معروفة أكثر من أي محاضرة أخرى (مت 5، 6، 7) فيها يبرز امتياز تعليمه التربوي على تعليم الناموس والأنبياء ويصف مواطن الملكوت وأعمال المؤمن به. أما محاضرته الأطول فهي الوداعية التي تملأ أربعة إصحاحات في إنجيل يوحنا (14 ـ 17) وهي رسالة تعزية تخبر بمجيء الروح القدس وتعلم عن علاقة الكرم بالأغصان والمشاكل التي سيواجهها التلاميذ والانتصار النهائي وقد ختمها بصلاته لأجلهم.

كانت محاضرات الرب يسوع أسلوباً تربوياً تثير التفكير وتفحص القلوب حيث كانت عملية وحيوية وقد اشتملت على نطاق واسع في مواضيعها فبينت تفكيره واستعداده وهي تختلف بعضها عن بعض من حيث الأسلوب والطريقة وكانت جذابة لانتباه الناس ومرغبة في الاستماع لدرجة أن الجموع بهتوا من تعليمه (مت 7: 27). وحتى الذين لم يؤمنوا به تركوه وهم يقولون: «لم يتكلم قط إنسان مثل هذا الإنسان» (يو7: 46) فتأثروا برسالته وتغيرت حياتهم حيث كان لمحاضراته تأثير ثلاثي على الفكر والعواطف والإرادة.

6ـ أسلوب الاستفهام:
يمكننا اعتبار اللجوء إلى الاستفهام من بين الوسائل التربوية التي استعملها يسوع للمحافظة على انتباه سامعيه، وإن أسلوب الأسئلة والأجوبة هو من أقدم الأساليب في التعليم وأكثرها استعمالاً، واشتهر به سقراط وهو مستعمل كثيراً في أيام العهد القديم والجديد وقد مارسه الناس منذ تلك الأيام دون انقطاع وهو مستعمل اليوم أكثر من كل أسلوب آخر تقريباً.

ولقد كان هذا الأسلوب الذي اتبعه السيد المسيح في تعليمه التربوي للشعب وهو يواجه مجتمعاً متزمتاً يسيطر عليه أفكار فريسية ضيقة ودقيقة وخاصة أحاييل الكهنة والفريسيين وأساليبهم الملتوية في الجدل والمناقشة، فحين يشفي المريض في يوم السبت يواجهونه بالاحتجاج ويقولون له كيف تعمل هذا في سبت الرب؟ وكيف تكسر السبت؟ حيث يرد يسوع بسؤال هادئ (هل السبت جعل للإنسان أم الإنسان لأجل السبت؟). لقد حملهم يسوع على أن يواجهوا أنفسهم وعلى أن يفكروا في أنفسهم ولأنفسهم وان يصلوا بأنفسهم إلى إجابات عن تساؤلهم.

كان يسوع يستعمل هذا الأسلوب باستمرار وبطرق متنوعة وهذا الأسلوب كما قلنا كان رائجاً حيث نجد في مجموعات (ميشنا MISHNA) وفي مقالات التلمود، ومن أسئلته «إذا فسد الملح فماذا يملح؟» (مت 5: 13). «وإن تحبوا من يحبكم فأي فضل لكم؟» (مت5: 46 ـ 47). «أليس النفس أهم من الطعام والجسد أهم من اللباس..؟» (مت 26: 25 و27). وهكذا فالأمثلة على الاستفهام كثيرة جداً حيث على امتداد الأناجيل يطرح يسوع أسئلته بعضها يلقي جواباً والبعض الآخر يبدو كصورة إنشائية صرفة وهي سواء أكانت دافعة إلى التأمل وداعية إلى الانتباه وإلى تحديد خيار أو التزام أو كانت مخصصة ببساطة لتسهيل فهم تعليم وحل مشكلة وسماع رأي مفروض فهي جميعها تنتمي إلى أسوب الاستفهام التربوي وهذه النماذج من بعض الأسئلة ذات الأسلوب الإنشائي الاستفهامي الصرف «أما قرأتم ما فعل داؤد وصحبه حين جاعوا كيف دخل بيت اللّه وكيف أكل خبز التقدمة..» (مت12: 3 ـ 5).

ها هنا أسئلة كاملة التركيب تحمل أجوبتها معها فمن المؤكد أن الفريسيين سامعي الرب يسوع قد قرؤوا تلك النصوص في التوراة والرب يسوع يعرف ذلك جيداً، وفي مواضع أخرى يطرح الرب يسوع أسئلة لا تحتاج إلى جواب «ما خرجتم إلى البرية تنظرون، أقصبة في مهب الريح؟ أو ما خرجتم ترون أإنسان في لباس ناعم؟ أنهم في قصور الملوك يلبسون النعام أو ما خرجتم ترون أنبياً؟ أقول لكم، نعم بل أكثر من نبي» (مت11: 7 ـ 9). في هذا المقطع يسوع بذاته يعطي السؤال والإجابة عليه، إنه لا يبحث عن معلومات لأنه الرب وهو واهب العلم والمعلومات ولكنه يستعمل هذا الأسلوب لإثارة انتباه الجمهور. وأحياناً يستخدم يسوع طريقة الاستفهام ليفتح جدلاً أو ليروي مثلاً أو ليناقش شعاراً أو رأياً مفروضاً فهو يسأل الشاب الغني «لماذا تدعوني صالحاً؟» (مت19: 17). ويستخدم يسوع أسلوباً استفهامياً ينبع منه تعليماً تربوياً حول السبت حيث يقول: «من منكم تكون له نعجة واحدة وتقع سبتاً في حفرة فلا يمسكها ويقيمها؟» (مت12: 11) وهكذا يصل يسوع بمهمته التربوية إلى هدفها.

وللسيد المسيح سؤال مشهور «وأنتم من تقولون إني هو؟» يمكن أن تكون من تلك الأسئلة التي تبقى بانتظار جواب إلى مالا نهاية فيبدو أنه لا يمكننا أن نضع أي جواب بسهولة على هذا السؤال. بينما نرى في الأسئلة السابقة بأن لا أحد يجيب لأن التأكيد مرتبط بالسؤال أو لأن الاستفهام يمتد على امتداد تعاريج المستقبل.

وفي فئة الأسئلة التي لا جواب لها يمكن أن نضم القضية اللاهوتية التي طرحها الرب يسوع على الكهنة هؤلاء الأعيان في أورشليم، لأنهم سألوا الناصري من أين يستمد سلطانه؟ فعرض يسوع عليهم برهاناً ذا حدّين ليتأملوا فيه «وأنا عن أمر واحد أسألكم فإن أجبتم عنه قلت لكم بأي سلطان أفعل. من أين كانت معمودية يوحنا من السماء أم من الناس» (مت21: 24 ـ 25) حل اللغز سهل ولكن حله يقود أولئك المسؤولين في إسرائيل إلى خيار أشد صعوبة من اعترافهم بالجهل لذلك كان جوابهم (لا ندري) إنه السؤال الذي يؤدي إلى الصمت.

هكذا نرى أن الأسلوب التربوي الاستفهامي له أثره في تركيز انتباه السامع على نقطة معينة لنراه يقبل عليها فيما بعد وهذا ما نراه في السؤال الذي طرحه «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها» (لو9: 25) حيث لا يوجد تصريح يعادل قوة هذا السؤال. وكذلك استخدام السؤال مكرراً ثلاث مرات لبطرس «يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء» فإنه أراد أن يشدد على حث بطرس على رعاية خرافه.
إذن كانت الأسئلة قريبة من محور اساليب يسوع التعليمية التربوية وكانت استفساراته دائماً عملية لا نظرية.

التربية الحقة هي التسليم لعناية الآب ومن يتبع المسيح فإن حياته بين يدي الآب فيوكلها إليه حاضراً ومستقبلاً «فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً أو سمكة أفيعطيه حية بدل السمكة، أو إذا سأله بيضة أفيعطيه عقرباً. فإن كنتم وأنتم اشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه» (لو11: 11 ـ 13).