الثلاثاء, 18 حزيران 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > أنباء البطريركية > منشور بطريركي بمناسبة عيد الميلاد المجيد
منشور بطريركي بمناسبة عيد الميلاد المجيد
ننشر ههنا النص الكامل للمنشور البطريركي الذي أصدره قداسة سيدنا البطريرك المعظم موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى بمناسبة عيد الميلاد المجيد.

العـدد: 604/2011
التاريخ: 11/12/2011

نهدي البركة الرسولية والأدعية الخيرية إلى إخوتنا الأجلاء صاحب الغبطة مار باسيليوس توماس الأول مفريان الهند، وأصحاب النيافة المطارنة الجزيل وقارهم، وحضرات أبنائنا الروحيين نواب الأبرشيات والخوارنة والرهبان والقسوس والراهبات والشمامسة الموقّرين والشماسات الفاضلات، ولفيف أفراد شعبنا السرياني الأرثوذكسي المكرّمين، شملتهم العناية الربّانية بشفاعة السيدة العذراء مريم والدة الإله ومار بطرس هامة الرسل وسائر الشهداء والقديسين، آمين.

بعد تفقّد خواطركم العزيزة نقول: جاء في رسالة مار بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس:

«وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد» (1تي 3: 16).

أحبائي، ونحن نتأمل بهذا السر العظيم، سر ظهور الرب يسوع بالجسد، نقف متعجبين من العذراء مريم، كيف تحمّلت جسامة معجزات التجسد الإلهي التي جرت لها وفيها ومعها وأمامها؟! وهي الفتاة البسيطة التي لم تكن قد بلغت الرابعة عشر من عمرها؟! وهي أم ترضع ابنها الإلهي، وتقمّطه وتضجعه في مذود، وقد ولدته في زريبة خان بيت لحم إذ لم يكن لهم موضع في المنزل! ونتعجّب أيضاً من قول الملاك جبرائيل لها يوم بشرها بالحبل الإلهي: «لا تخافي يا مريم لأنك وجدت نعمة عند الله وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع،... هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى» (لو1: 30). فأين عظمة يسوع، يا جبرائيل الملاك؟ وأين مملكته؟ وأين عرشه؟!

أجل، إن مملكته ليست من هذا العالم، لذلك فلئن تجاهل وجوده كهنة الأرض وسلاطينها كلهم، فقد مجَّدته السماء، وبشر الملاك الرعاة البسطاء بميلاده.
فلا عجب من أن نرى العذراء مريم وخطيبها إذ لم يجدا لهما موضعاً في المنزل، يلتجئان إلى زريبة الثور والحمار، ليولد المسيح هناك وتقمّطه أمه وتضجعه في مذود... بميلاده تحول ذلك المذود إلى مكان مقدس وصار قبلة أنظار المسيحيين كافة، فإليه يأتي ملوك الأرض وعظماؤها ويخلعون تيجانهم ويحنون هاماتهم بل ويسجدون للذي ولد فيه. أجل كان المذود المكان اللائق ليوضع فيه الطفل يسوع المخلص الذي إنما نزل من السماء ليعلمنا التواضع، وليكون تواضعه الدواء الناجع لشفاء الإنسان من داء الكبرياء، وأطاع حتى الموت موت الصليب، ليزيل عار تمرد الإنسان على أوامر ربه في الفردوس «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16).

فالمذود هو المكان اللائق لمن جاء ليخدم لا ليُخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين، فبدأ تدبيره الإلهي بالجسد مضطجعاً في مذود بسيط ليكون الطرف الثاني من حياته صليب العار يحمله على كتفه أمام جمهور حاقد ينادي اصلبه اصلبه، ثم يُعلَّق عليه، وليضطجع بعد موته بالجسد في قبر جديد لا يملكه... وهل كان يملك شيئاً من متاع الدنيا؟ وهو الذي لما سأله الكاتب قائلاً له: يا معلم أتبعك أينما تمضي، فأجابه يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (مت 18: 19 ـ 20).
أجل سيبقى الإنسان المؤمن متعجّباً منذهلاً وهو يقرأ قصة ميلاد الفادي لبساطة عباراتها وسهولة أسلوبها بحيث يفهمها الأطفال جملة وتفصيلا وفي الوقت ذاته لا يقوى الفلاسفة العظام على سبر غور معانيها وإدراك أسرارها الإلهية. وهذا ما عناه الرب يسوع بصلاته إلى أبيه بقوله عن تدبيره الإلهي في الجسد: «أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال» (مت 11:25).

لقد أخفى الله أسراره عن الحكماء في أعين نفوسهم ليخزي حكمة هذا العالم، فلم يكن له موضع في دورهم، ولم يولد من إحدى بنات الأغنياء والعظماء والفلاسفة والعلماء بل ولد من الفتاة الفقيرة اليتيمة العذراء مريم، ولكنها كانت سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، ولم يوضع في سرير صنع من الذهب أو العاج، ولم يلف جسده الطاهر بالحرير الناعم، بل قمِّط بكتان ووضع في مذود في زريبة الخان في بيت لحم البلدة المتواضعة، لكي يجده كل من يطلبه.

هذه هي رسالته السماوية العملية، أن نتعلّم منه الوداعة والتواضع، لنزيح عن كواهلنا أثقال العجرفة والغرور والكبرياء، فنحصل على السلام مع الله ومع أنفسنا ومع الناس أجمعين.

أجل إن رسالة عيد الميلاد هي رسالة محبة وتواضع، ويسوع الطفل نراه اليوم في ملايين الأطفال الذين لا مأوى لهم، وهم مع أمهاتهم وآبائهم يتضوّرون جوعاً، ونحن نتنعّم بخيراتٍ كثيرة. فكل محتاج وكل فقير وكل يتيم معوز وأرملة مسكينة هم إخوة يسوع الصغار بل هم يمثلون الطفل يسوع الفقير.

فهلاّ أخذنا بتعاليم الرب يسوع الذي سيدين البشر في اليوم الأخير على أساس ما قاموا به من أعمال الرحمة إلى جانب إيمانهم به.

فهلاّ تُقنا إلى الوقوف عن جانبه الأيمن مع الذين سيسمعون صوته العذب قائلاً لهم: «تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، ومحبوساً فأتيتم إلي... الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم»(مت25: 34ـ40).

وفي هذه الأيام أحبائي والتي فيها نحتفل بعيد ميلاد الرب يسوع، هل يا ترى أعددنا له موضعاً ليولد في قلوبنا؟ هل حدّثنا أولادنا عن ميلاده العجيب في الجسد؟ وعن أمه العذراء مريم الفقيرة اليتيمة والقديسة العفيفة؟ هل يا ترى ونحن نحتفل بطقوسنا الدينية في هذه المناسبة السعيدة نشعر بأن المسيح معنا وبيننا يشاركنا فرحة العيد؟ أم أننا غرباء عنه وهو بعيد عنا؟ فقد سمي عمانوئيل الذي تفسير الله معنا(مت 1: 21). فهل قبلناه مخلصاً لنا، وآمنا بسري التجسد والفداء؟ أم نقوم بطقوس أعياده كفروض روتينية، لها صورة التقوى ولكنها فقدت قوتها؟ وانقلبت لدينا العادات الروحية إلى عادات اجتماعية بحتة لا تمت إلى الروح بصلة؟

فلنهيّئ موضعاً للمسيح في منازلنا، وفي قلوبنا ونفوسنا، لنحيا لا نحن بل هو يحيا فينا (غل 2: 20).

أحبائي، لا يمكننا أن نغضَّ الطرف عما تتعرَّض له بلادنا الحبيبة في: سورية ولبنان والعراق وفلسطين من أحداث دامية ومؤلمة جداً، وكذلك ما تواجهه الإنسانية في مختلف دول العالم، من جور وظلم واضطهاد وجوع وكآبة وحزن ومرض، وكلّه بسبب الحروب الروحيّة التي يشنّها عدو الخير والإنسانية لا بل عدو الله بالذات على أبناء الله المؤمنين، ولكن السيد المسيح في تجسّده علمنا أنه جاء لكل البشر، وخاصةً للمتعبين والمظلومين، وكأني به وهو طفل صغير مضجع في المذود قد بسط ذراعيه وهو يدعو الناس إليه كما دعاهم بعدئذ قائلاً: «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحةً لنفوسكم، لأن نيري هيّن وحملي خفيف» (مت 11: 28 ـ 30). فنحن ولئن كنا نجهل ما تخبئه لنا الأيام، وتخفيه الليالي القادمة من مفاجآت مبهجة أو محزنة ـ لا سمح اللّه ـ لكننا نعلم شيئاً واحداً، أن اللّه تعالى وراء كل حوادث الكون، ولذلك فنحن مطمئنون لأننا قد اتخذنا «عمانوئيل» الذي هو إلهنا رفيقاً لنا في طريق الحياة. فهو الطريق الذي نسلكه، وهو الحياة التي نحياها، وهو الحق الذي نتمسّك به، لأنه كما قال عن نفسه «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يو 14: 6).

فلنردد بإيمان متين مع الرسول بولس: «إِن كان الله معنا، فمن علينا؟ الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء؟ من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب: إننا من أجلك نمات كل النهار، قد حسبنا مثل غنم للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا، فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (رو8: 31ـ 38).
تقبَّل الرب صومكم وصلواتكم، وليكن عيد ميلاده بالجسد سبب بركة لكم جميعاً، ونعمة لبلادنا العزيزة. هذا ما اقتضى والنعمة معكم ܘܐܒܘܢ ܕܒܫܡܝܐ ܘܫܪܟܐ.

صدر عن قلايتنا البطريركية في دمشق ـ سوريا
في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الأول سنة ألفين وإحدى عشر للميلاد
وهي السنة الحادية والثلاثون لبطريركيتنا

الخبر بالصور