الجمعة, 19 تموز 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > أنباء البطريركية > نص الكلمة التي ألقاها المطران الجديد مار برثلماوس نثنائيل يوسف إثر رسامته مطراناً
نص الكلمة التي ألقاها المطران الجديد مار برثلماوس نثنائيل يوسف إثر رسامته مطراناً
(نقلا عن موقع أبرشية جبل لبنان) يسرّنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل للكلمة التي ألقاها نيافة الحبر الجليل المطران مار برثلماوس نثنائيل يوسف النائب البطريركي على النيابة البطريركية في الإمارات العربية المتحدة والخليج العربي، إثر رسامته مطراناً، صباح يوم الجمعة 26 تشرين الأول 2012، في كنيسة مار كبريال ـ المركز السرياني "بيت السريان" في عجلتون ـ كسروان ـ جبل لبنان:

سيدي صاحب القداسة، مار إغناطيوس زكا الأول عيواص، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية الكلي الطوبى. برخمور.
أصحاب النيافة والسيادة الأحبار الأجلاء،
الآباء الكهنة الأفاضل، إخوتي الرهبان، أخواتي الراهبات،
أحبائي الشمامسة والشماسات، أيها الإخوة والأخوات في لبنان الحبيب ومن دول الاغتراب.

"وإذا جعلوك رئيساً فلا تتكبّر عليهم، بل كن بينهم كواحدٍ منهُم". يشوع بن سيراخ 32: 1-3

أحبائي: إنها لحظات رهيبة، يقشعر لها الجسد لما شعرت به وعشته اليوم. ولا من كلمات تُعبّر عن غمرة السعادة والغبطة لنيل هذه الدرجة المقدسة بالنعمة لا بالاستحقاق. فمُذ أن سلّمت نفسي للخدمة في مذبح الرب، وجدت في الرهبانية عائلة حقيقية، احتضنتني وربّتني وعلّمتني. وكقول الرب لأبينا إبراهيم: "اذهب من أرضِكَ ومن عشيرَتِكَ ومن بيتِ أبيكَ، إلى الأرضِ التي أُريكَ، فأجعلَكَ أمةً عظيمةً وأباركَكَ وأُعظِّمَ اسمَكَ، وتكونَ بركةً". تك 12: 1. جاءني مثيل هذا الصوت، فتركت عائلتي الصغيرة، والتحقت بمعهد مار أفرام الكهنوتي حينها بدمشق، وسرعان ما تحوّل ألم الانفصال والوداع عن العائلة، إلى فرح الانضمام والاستقبال في عداد خدّام الكنيسة المجاهدة.

وهكذا دأبت على الخدمة في حقل الرب بإيمان وثبات حاملاً نيره وممسكاً بصليبه بقوة وفرح، رغم المتاعب والمشقّات التي أعلم يقيناً أنها تنتظرني، لكني كنت ولا أزال واثقاً بنعمة الرب ومعونته التي وعد بها تلاميذَهُ القديسين عندما شجّعهم في بداية خدمتهم قائلاً: "في العالمِ سيكُونُ لكُم ضِيقٌ، ولكن ثقوا: أنا قد غلبتُ العالم" يو16: 33.

غلب العالم بمحبته واتضاعه وهدوئه، وما أجمل أن تجتمع هذه الصفات في قلب الخادم وفكره. فإذا تأمّلنا في خدمة السيد المسيح بين الناس، لوجدنا أنه: "أحب خاصته الذين في العالم... حتى المنتهى". يو 13: 1.

فهذه المسؤولية كبيرة جداً على عاتق كل خادم، أن يمثّل سيده على الأرض في المحبة والاتضاع والحكمة لهداية النفوس ومصالحتها مع باريها. وهكذا يخبرنا بولس الرسول عن نفسه وعن سائر الرسل فيقول: إنّ الرب "أعطانا خدمة المصالحة.. واضعاً فينا كلمة المصالحة. إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأنّ الله يعظُ بنا". 2 كو 5: 18 - 20

ومن هنا لبّيت الدعوة لخدمة الرب في طريق الجلجثة واخترت أن أفقد حياتي في سبيله كي أجدها ( متى 16: 25) وأن أتغرّب في دنياي لأخدم الرب في كل مكان يدعوني إليه، وهكذا أتمّ الله وعده الصادق والأمين: في قوله تعالى: "ما من أحد ترك بيتاً أو إخوةً أو أخواتٍ أو أماً أو أباً أو أولاداً أو حقولاً من أجلي ومن أجل البشارة، إلا ونال في هذه الدنيا، مع الاضطهادات، مئة ضعفٍ من البيوت والإخوة والأخوات والأمهات والأولاد والحقول". فمع كل ما يتعرّض له الراهب في هذه الدنيا من حروب روحية وتجارب قاسية، فهو يَظهر للناس مبتسماً، ليُخفّف عن أوجاع الناس ويبعث فيهم الأمل في الفرج. لكن وراء ابتسامته هذه، يُخفي آلاماً وأوجاعاً بل حروباً روحيةً، لا يمحوها شيءٌ في أرض غربته، سوى معونة الله ومحبة أضعاف ما اقتناه من إخوة وأخوات وأمهات وأبناء روحيين.

هكذا كانت بداية خدمتي الرهبانية في دير مار يعقوب السروجي في ألمانيا، تسع سنوات وأنا أحمل صليب رهبنتي وأتبع صوت الرب لأكون له تلميذاً. ومهما تحدّثت، لن أستطيع أن أوجز تلك السنوات في سطور وكلمات. لكن ما لا أستطيع أن أتغافل عنه اليوم، أنني خلال هذه السنوات، تعرّفت على نخبة من السريان، فكانوا لي بمثابة الإخوة بل العائلة التي اقتنيتها في أرض غربتي.

ولأنّ من يتبع المسيح "ليس لهُ أينَ يُسنِدُ رأسَهُ". مت 8: 20 أوفدني قداسته بعدها للخدمة في رعية الرب في دولة الإمارات. فأحاطتني مجدّداً العناية الربانية بتقوية ضعفي، حتى استطعْتُ فيها أن أنال ثقة ومحبة أهله السريان في كل إمارة من دولة الإمارات. حيث كانوا بجانبي يداً بيد، في الضيقات والأفراح، وتكبّدوا معي عناء الخدمة والتنقّل والبحث عن المؤمنين المنتشرين في أنحاء الدولة كافةً منذ اليوم الأول، ووقفوا معي في مواجهة الصعوبات والتحدّيات التي عانيناها معاً منذ بدء إنشاء الرعية، فكان لهم دورٌ كبيرٌ في الوصول بدفّة الكنيسة إلى ما هي عليه اليوم في دولة الإمارات.

هذه الدولة التي أثبتت بحق أنها دولة أمن وسلام، وخير نموذج للعيش المشترك بين الأمم والشعوب كافةً، حيث يمارس المسيحيون وغيرهم من الديانات شعائرهم الدينية في كنائسهم ومعابدهم بكل حرية وأمان، ليعطوا أجمل صورة عن التسامح الديني والمساواة بين البشر.

ولا يستطيع أحد أن ينكر بأنّ الفضل بهذا يعود إلى القيادة الحكيمة والرشيدة لأمراء وشيوخ هذه الدولة المباركة، على رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله. وخلفه صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي. وإخوانه أصحاب السموّ حكّام دولة الإتحاد. أمدّ الله بأعمارهم وحفظهم بعنايته ورحمته تعالى لما فيه خير البلاد والعباد.

واليوم، الرب يدعوني ليُحمّلني رسالة جديدة ومسؤولية كبيرة، لرعاية أبرشية فتية، وهو من يدعو وهو من يختار كقوله تعالى: "ليسَ أنتم اخترتُمُوني بل أنا اخترتُكُم، وأقمتُكُم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدُومَ ثمرُكم". يو 15: 16

نعم يا صاحب القداسة: لقد أوليتموني مع مجمعكم المقدس، شرفاً كبيراً وحمّلتموني صليباً جديداً. بانتخابي مطراناً لهذه الأبرشية الفتية التي وُلدت للتو. وأنا لست لا بألمع الرهبان كفاءةً، ولا حتى بأعلمهم. وما حسبت نفسي يوماً، في مجالسكم وفي المناسبات، إلا غريباً. وما اخترت لنفسي موقعاً إلا أن أنزويَ جانباً وبعيداً.

لكنها إرادة الله ودعوة الروح القدس، الذي لبّيتموه فأوليتموني هذا الشرف الكبير وحمّلتموني هذا الصليب النيِّر. وكقول الكتاب إنّ: "ما من أحدٍ يتولى بنفسه مقام رئيس كهنة، إلا إذا دعاه الله كما دعا هارون". عب 5: 4

ولو لم أكن مؤمناً ومقتنعاً من أنّ قوة الله "في الضعف تُكْمَلْ" (2كو12: 9)، لتهرّبت من هذه الدرجة السامية، التي قد يشتهيها كل من يرغب في العمل الصالح. فالأسقفية ليست منصباً فخرياً، أو مطلباً شخصياً، وإنما رعاية أبوية، وخدمة مرضية ومسؤولية جدية.

فلله الحمد أولاً على عنايته الربانية وعلى فيض نعمه التي يُغدِقها على عبيده من حيث لا يدرون ولا ينتظرون، والشكر لقداستكم ولأعضاء المجمع المقدس ثانيةً، لمحبتكم وثقتكم الكبيرة التي منحتموني إياها. فعلى الرغم من معرفتي التامة بعدم استحقاقي لهذه الرتبة الرفيعة، مُنحتُ هذه البركة المضاعفة اليوم، أن أرتسم على يد من رعاني واحتضنني وعلّمني مع سائر إخوتي الآباء، على يد من أحببت، أبينا البطريرك زكا الأول خليفة القديس بطرس هامة الرسل ومؤسس كنيسة أنطاكية السريانية.

فعندما أتطلّع وأنظر إلى الوراء، إلى كل ما أنعم عليّ الله وأغدق من خيراته، وإلى ما يحدث لي اليوم، أقول لنفسي دائماً، من أكونُ أنا الضعيفُ، ليكونَ لي هذا؟

فشكراً لقداستكم وأبوّتكم ورعايتكم الصالحة، وصلوا من أجل ضعفي، كي تكون يمين الله بعوني، فأدبّر نفوس المؤمنين برعاية صالحة.

واسمحوا لي أن أتقدّم بالشكر الجزيل إلى أصحاب النيافة المطارنة الأحبار الأجلاء، أعضاء المجمع السرياني المقدس، لأنهم أيّدوا قداستكم في اختياركم لي وترقيتي إلى هذه الرتبة الرفيعة، لأكون أخاً صغيراً بين أحبار الكنيسة السريانية الأنطاكية المجيدة.

وأخص بالشكر منهم نيافة المطران مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان وطرابلس وسكرتير المجمع المقدس، راعي هذه الأبرشية العامرة، بكهنتها وشمامستها، بمؤسساتها ومجالسها ولجانها، على كل ما قدّموه من تسهيلات وتحضيرات لإتمام هذه المراسيم الروحية في هذه الكنيسة الجميلة.

كما أشكر جميع الأحبار الأجلاء الذين تجشّموا عناء السفر قادمين من سوريا والعراق وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة، جزاكم الله خيراً، وحفظ أبرشياتكم العامرة مع سائر أبرشيات الكرسي الأنطاكي السرياني.

وأخص بالشكر أيضاً المؤمنين السريان الأحبة، القادمين اليوم من مختلف إمارات الدولة، وخاصة رعية السيدة العذراء مريم في أبو ظبي ورعية القديس مار زكا في دبي والشارقة، على كل ما قدّموه وعملوه من أجل هذا اليوم المبارك، ففرحتي ما كانت لتكتمل اليوم، لولا وجودكم بقربي. وأنا اليوم أتعهّد أمام قداستكم والأحبار الأجلاء والشعب المبارك، وبمعونة الله، أن نعمل معاً حتى نصل إلى أمثل أبرشية، ترخص في سبيلها التضحيات، وتهون المصاعب وتقصر المسافات.

فشكراً من صغيركم إلى كبيركم لتجشّمكم عناء السفر، ومنحكم بركة ونعمة وأعادكم الله إلى دياركم العامرة سالمين ومباركين.

كما أخص بالشكر أيضاً الأحبة الأقارب والأصدقاء الذين حضروا معنا اليوم هذه المناسبة الروحية من كل مكان. وبلغتنا السريانية الحبيبة، أودّ أن أشكر الأحبة القادمين من دول الاغتراب بلغتهم الأم.

كما لا يسعني قبل الختام، إلا أن أشكر من كان له الفضل الأكبر في وقوفي اليوم أمامكم، والديّ الحبيبين، اللذين ترعرعت في أحضانهما على ممارسة الفضائل المسيحية وتعلّمت منهما محبة الله وخدمة الكنيسة منذ نعومة أظفاري. وأنا أعلم جيداً، أنّ أسطري لن تفي في حقكما شيئاً، من أول شمعة لي حتى هذه اللحظة. فالشكر لله ثم لكما، وليرحم الله روح والدي الطاهرة، ويمدّ بعمر والدتي الحبيبة وإخوتي الأحباء الذين تربطني بهم، أجمل قصص الطفولة وحياة البراءة التي عشتها معهم في ذلك البيت البسيط. حفظكم الله بعنايته وشملكم ببركته.

كما أتوجّه بالشكر الخاص للقناة الفضائية تيلي لوميير ونورسات التي قامت مشكورة بتغطية هذه الرسامة، وفقكم الله وبارك جهودكم في سبيل نشر المعرفة والكلمة الروحية.

وأتوجّه بالشكر الجزيل، لكل من تجشّم عناء السفر من آباء كهنة ورهبان وشمامسة وشماسات ومؤسسات دينية ومجالس ولجان كنسية وشعب مبارك من لبنان ومن خارج لبنان. خاصةً طلاب كلية مار أفرام السرياني اللاهوتية، بإدارتها الحكيمة نيافة المطران مار فيلكسينوس ماتياس نايش المعاون البطريركي ومدير الكلية. وأصلي لأجلكم جميعاً ليحفظكم الرب الإله ويرحمكم بعنايته الربانية ويبارككم بنعمته تعالى.

وفي الختام أتضرّع لله تعالى طالباً شفاعة أمنا القديسة مريم وصلوات شفيع هذه الكنيسة القديس مار كبريال، كي يحفظ بلادنا في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها. وأسأله تعالى أن يحفظ سوريا الحبيبة وشعبها، وأن يعمّ الأمن والاستقرار في كل بقعة من أراضيها.

كذلك نصلي من أجل لبنان الحبيب، ليترسّخ فيه الأمن والاستقرار والازدهار، راجياً صلوات وأدعية قداستكم والأحبار الأجلاء والشعب المؤمن الذي اشترك معنا في هذه المناسبة الروحية، أن يأخذ الله بيدي لتحمُّل عبء المسؤولية التي سلّمتموها إليّ لخير الكنيسة وأبناء أبرشيتي الأعزاء.
وبارخمور.