السبت, 18 تشرين الثاني 2017    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > أنباء البطريركية > السريانيون والعلاقات التاريخية الثقافية والدينية بينهم وبين اليونانيين ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص
السريانيون والعلاقات التاريخية الثقافية والدينية بينهم وبين اليونانيين ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص
السريان: اليوم هم المسيحيون أبناء كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية، الكنيسة التي اتّخذت لها اللغة السريانية الآرامية لغة طقسية منذ فجر المسيحية، وهم في الأصل الآراميون سكّان سورية الأصليون استوطنوا منذ القرن السادس عشر قبل الميلاد، بلاد آرام الشام وآرام النهرين وقد امتزج بهم عبر العصور بقايا الشعوب السامية القديمة المندثرة من بابليين وعموريين وآشوريين وكنعانيين وفينيقيين وسومريين وغيرهم... ومرّ السريانيون بمراحل تاريخية عديدة لا مجال هنا لاستعراضها بالتفصيل، ولكن يهمّنا أن نعرف أصل تسميتهم وأهم إنجازاتهم الثقافية والدينية منذ العصور التاريخية القديمة، ونتوقف عند مراحل تاريخية تهمّنا في بحثنا هذا.

فقد دالت الدولة الآشورية وسقطت عاصمتها سنة 625 ق.م بيد الماديين على عهد سرجون آخر ملوكها، وصارت تحت حكم الفرس في أطراف العراق، وتحت حكم الرومان في البلاد التي تضمّ اليوم تركيا وسورية والأردن وفلسطين. وأعقبها سقوط بابل بيد كورش الثاني الفارسي سنة 538 ق.م، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الشرق القديم هي مرحلة الاحتلال الفارسي الذي دام حتى سنة 330 ق.م إذ هزم الاسكندر المقدوني داريوس الثالث الفارسي في معركة أسوس وهكذا انقرضت المملكة الفارسية، واستولى الاسكندر على قسم كبير من بلاد الشرق، وأطلق اليونانيون إذ ذاك على جميع البلاد الآرامية اسم (أسيريا) نسبة إلى الآشوريين، ثم اختصروا الاسم بـ (سيريا).

ويرجع بعض المؤرّخين التسمية السريانية إلى آشور بن سام ابن نوح، كما أن اسم الآرامية جاء نسبة إلى آرام أخي آشور. وبهذا الصدد قال المطران توما اودو الكلداني في معجمه السرياني ما ترجمته: «إن لفظ سرياني وسورية صاغه اليونانيون من (آشور) و(أسوريا) لأن دولة الآشوريين كانت سائدة على جميع بلاد ما بين النهرين وسورية، وتحريف اليونانيين لفظة سرياني إلى أسرياني جاء طبقاً لطبع لغتهم اليونانية» مع أن لفظة (سورية) العربية جاءت بحسب اللفظ السرياني سوريويو وسوريا لا اللفظ اليوناني (سيريا). وبهذا الصدد قال البحّاثة الدكتور فيليب حتي: «وكمصطلح لغوي ثان اسم Syrian بالإنكليزية يشير إلى كل الشعوب التي تتكلّم السريانية (الآرامية) ومنهم الذين في العراق وإيران كما أنه يشير كمصطلح ديني إلى أتباع الكنيسة السورية القديمة أو السريانية، وقد انتشر بعضهم حتى في جنوب الهند، وكان اسم Syrus سوري بالنسبة إلى الرومان يعني كل شخص يتكلّم اللغة السريانية.

فن الكتابة:
وكانت للشعوب التي تألّفت منها الكنيسة السريانية حضارات مزدهرة، فهم الذين استنبطوا الكتابة ومنهم أخذها اليونانيون. فقد اكتشفت في مدينة اورك القديمة، في جنوب العراق الذي كان مركزاً مهماً لإنجازات حضارية في تاريخ البشرية، لوحات طينية يعتقد أغلب العلماء بأنها مكتوبة باللغة السومرية، ويمكن القول بناءً على ذلك، أن السومريين هم مبتكرو الكتابة حوالي سنة 3200 ق.م وهي سنة بدء العصور التاريخية القديمة ونشوء الحضارات وازدهارها.

وعندما استولى البابليون على الشعب السومري، ترجموا إلى لغتهم ما كان لذلك الشعب من آداب وقوانين، واحتفظ البابليون بها وزادوا عليها أبحاثاً كانت الأساس الذي انطلق منه الفينيقيون في إيجاد الأبجدية في اوغاريت وجبيل على الساحل السوري، تلك الأبجدية التي انتقلت إلى بلاد اليونان والرومان وانتشرت في سائر مناطق الحوض الغربي للبحر المتوسط، حملها إليهم الفينيقيون، حروفاً ومعاني، عن طريق التجارة وهذه حقيقة تاريخية أجمع على صحتها العلماء. وكما نعلم أن آثار اليونانيين تدل على أنهم قد تعلّموا الكتابة من شرذمة فونيَّة قدمت إلى اليونان من الجهة الغربية من بلاد الشام في القرن السادس عشر قبل الميلاد بقيادة رجل اسمه (قَدْما) وهو اسم سرياني قَدما معناه (الأول).

ومما يبرهن على أن فن الكتابة أخذه اليونانيون عن السريانيين والفينيقيين، ما ذكره بعض العلماء في أبحاثهم بقولهم: «إن القلمَين اليوناني والسرياني القديم، يتشابهان في صور الحروف كل التشابه. وإن أسماء الحروف لدى اليونانيين هي سريانية، وإن صف الحروف ونظامها في الأبجدية اليونانية هو كما في الأبجدية السريانية مع اختلاف يسير طرأ على اليونانية في مرور الزمان لسبب اختلاف طبع اللغة اليونانية من طبع اللغات السامية التي تشكّل السريانية واحدة منها، وإن قوة الحروف اليونانية في حساب الجُمَّل هي كما في السريانية من قوة أو من اختلاف حتى أن حرفَين سريانيَين سقطا من الأبجدية اليونانية لهما صورتان سريانيتان في حساب الجُمَّل اليوناني وهما (الواو والقوف) وكان اليونانيون يكتبون من اليمين إلى اليسار ـ كالسريانيين ـ ولكنهم غيّروا مع الزمن. ولا بدّ أن نذكر هنا أن السريان قد اقتبسوا شكل الحركات السريانية من الحروف اليونانية، التي أصلها سرياني وتطوّرت، فاحتاجها السريان مستفيدين من تطوّرها، واقتبسها العلامة المطران مار يعقوب الرهاوي في القرن السابع عندما ابتكر الحركات السريانية كما يشهد بذلك العلامة المفريان مار غريغوريوس ابن العبري.

وكانت اللغة السريانية التي هي إحدى اللغات الشرقية القديمة التي تُعرف باللغات السامية وتعرف اللغة السريانية أيضاً باللغة الآرامية، كانت قد انتشرت في العالم القديم انتشاراً واسعاً، وصارت حروفها حروف هجاء للغات شرقية عديدة حتى رأيناها في عهد الملك نابوبلاصر لغة البلاط البابلي، وجعلت في عهد الملك داريوس الكبير (521 ـ 486 ق.م) اللغة الرسمية بين مقاطعات الامبراطورية الفارسية بل أمست لغة دولية في الشرق كلّه زمناً طويلاً.

أما اللغة اليونانية التي كانت أشهر اللغات القديمة وأكثرها انتشاراً في النصرانية، فقد دخلت سورية على أثر إخضاع الاسكندر المقدوني لتلك المنطقة، وصارت في الامبراطورية الرومانية بأسرها لغة الثقافة والعلم والتجارة، ولغة الجالية اليونانية التي استقدمها السلوقيون إلى أنطاكية والسواحل السورية، أما في ضواحي العاصمة أنطاكية وبقية سكان مدن سورية وقراها، فكانوا يتكلّمون السريانية الآرامية لغة سوريا القديمة. ومما يبرهن على صحة هذه الحقيقة التاريخية، ما ذكره القديس يوحنا فم الذهب في عظة له ألقاها في كنيسة أنطاكية الكبرى مشيراً إلى الجمع الغفير الذي توافد من ضواحي العاصمة للاشتراك بعيد أحد الشهداء قال: «لقد زاد هؤلاء الأخوة بحضورهم العاصمة زينة، والكنيسة رونقاً... وهم يختلفون عنّا باللغة، لكنهم متّفقون معنا بالإيمان» أي أنهم كانوا يجهلون اللغة اليونانية التي كان يخطب فيها، إذ كانت لغتهم السريانية.

مدينة أنطاكية:
شاد سلوقس الأول نيقاطور مدينة أنطاكية على نهر العاصي في سورية سنة 311 ق.م بعد انقسام مملكة الاسكندر الكبير، ودعاها أنطاكية باسم أبيه أنطيوخوس، وكانت في فجر المسيحية مدينة مهمّة جداً في الامبراطورية فهي عاصمة الشرق والعاصمة الثالثة في الامبراطورية الرومانية ولمحبة السريان لهذه المدينة، اعتبروها عاصمتهم الدينية وسمّوها مدينة اللّه، واتّخذوا الشهر الأول والسنة الأولى لتأسيسها (تشرين الأول عام 311 ق.م) تاريخاً عاماً في سجلاتهم، إلى جانب التاريخ المسيحي بعد الميلاد، ولم يتركوا استعمال تاريخ تأسيس أنطاكية حتى أوائل هذا القرن.

تأسيس كنيسة أنطاكية:
كانت البلاد السورية وسائر بلاد الشرق خاضع سياسياً بعضها للدولة الرومانية، وبعضها الآخر للدولة الفارسية. وكانت أنطاكية عاصمة لسورية، وكان أغلب سكانها قد دانوا للمسيح حوالي عام 36م على يد بعض تلاميذ السيد المسيح الذين كانوا من أصل يهودي وكانت لغتهم اللغة الآرامية، أو من أصل يوناني أو من يهود الشتات الذين كانت لغتهم اللغة اليونانية، وهؤلاء جميعاً جاؤوا إلى أنطاكية بسبب الاضطهاد الذي أثاره اليهود ضدهم في اورشليم على أثر استشهاد اسطيفانوس، وجرى التنصير على النحو التالي:

فقد تنصّر بعض اليهود، ثم بعض الوثنيين من سريان آراميين سكان البلاد الأصليين، ويونانيين (أع 11: 19 ـ 21) وعرب، الذين كانوا رحّلاً وتحضروا. وأسّس الرسول بطرس كرسيه الرسولي في أنطاكية سنة 37م على الأرجح ويعتبر أول كرسي رسولي في المسيحية. وبهذا الصدد يقول المؤرّخ المسيحي الشهير أوسابيوس القيصري (ت340) في «الخيرونيقون» ما يأتي: «وفي السنة الرابعة بعد صعود السيد المسيح بشّر بطرس بكلمة الرب في أنطاكية الكبرى واضحي أول أساقفتها» وقال أيضاً في تاريخه الكنسي: «كما اشتهر اغناطيوس (النوراني) الذي اختير أسقفاً لأنطاكية خلفاً لبطرس».

كما إن إيرونيموس (347 ـ 419) أحد العلماء اللاتين في القرن الرابع خصّص في جدول الأعياد السنوية، اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط «عيد تأسيس كرسي مار بطرس في أنطاكية» وما تزال كنيسة روما تحتفل به حتى الآن.

ومن أنطاكية انطلق تلاميذ الرب يسوع إلى أنحاء العالم المعروف عصرئذٍ، فنشروا بشارة الخلاص في أنحاء العالم المعروف آنذاك.

لغة سورية القديمة:
لا بدّ من أن نؤكّد أن اللغة السريانية وهي لغة الرها وما بين النهرين وسواد العراق وقسم من بلاد الفرس وبلاد الشام الداخلية وفلسطين، كانت ما تزال لغة أهالي سورية في فجر المسيحية، وبقيت كذلك حتى بعد الفتح العربي بأجيال، ولئن كانت اللغة اليونانية وهي لسان بلاد يونان، ظلت حتى الفتح العربي لغة الجالية اليونانية في أنطاكية والسواحل السورية، ولغة العلم والتجارة، ولكن أغلب الشعب السوري ولا سيما القاطنون في الضواحي كانوا محتفظين بلغتهم السريانية الآرامية التي كانت أيضاً لغة الجالية اليهودية، ذلك أن اليهود كانوا قد تعلّموها واستعملوها منذ السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد، وصارت لغتهم اليومية إذ اختلطت مع العبرية لغتهم السابقة التي نسوها، وعرفت لغتهم الجديدة باللغة الآرامية أو السريانية الفلسطينية أو العبرية كما يسميها يوحنا في إنجيله، وذلك من باب المجاز لأنها كانت قد أضحت لغة العبرانيين. وبها كتبوا التلمود لذلك فمن البديهي كما ذكرنا سابقاً أن يكون السيد المسيح وأمه القديسة مريم ورسله الأطهار قد تكلّموها، وكما أكّد أوسابيوس القيصري (263 ـ 339) بقوله عن الرسل قبل حلول الروح القدس عليهم لأنهم: «قوم جليليون لا يعرفون أكثر من اللغة السريانية». ومما يزيد هذه الحقيقة وضوحاً، أن أسفار العهد الجديد المكتوبة باليونانية احتفظت بألفاظ، وأسماء أعلام، وعبارات سريانية آرامية اوردتها بالحروف اليونانية، نذكر منها ما يأتي: آبا أي الآب (غلاطية 4: 6)، طاليثا قومي أي أيتها الصبية انهضي (مت 9: 23 ومرقس 5: 41)، طابيثا قومي أي يا غزالة انهضي (أع 9: 40)، وقول السيد المسيح للأعمى أي انفتح (مر 7: 34) وقوله وهو على الصليب إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) وكلمة رابوني الذي تفسيره يا معلم (يوحنا 20: 16) وعبارة ماران آثا أي ربنا أتى وآتٍ التي ذكرها الرسول بولس في رسالته إلى المؤمنين في كورنثوس التي كتبها باليونانية وكتب عبارة (ماران آثا) كعبارة معنوية سرية بالسريانية ولم يقل بالعبرانية (أذوننوبا) واسم حقل دما حقل دَما أي حقل دم (أع 1: 19) وغيرها من أسماء الأماكن التي دعاها اليهود بالسريانية الآرامية اللغة التي كانوا يتكلّمون بها مثل: بيث فاجي (متي 20: 1) بيث حسدا (يو 5: 2) وشيلوحا (يو 9: 11).

كما إن آثار هذه اللغة ظاهرة في أسماء مدن وقرى عديدة في الشرق الأوسط وفي اللهجات العربية في قسم كبير منه.

وقد كتب بالسريانية الآرامية أجزاء من سفر دانيال وعزرا ونحميا وإنجيل متى برمّته والرسالة إلى العبرانيين كلها، كما تُرجم إليها الكتاب المقدس، أسفار العهد القديم اولاً في اواخر القرن الأول للميلاد، وأسفار العهد الجديد في أوائل القرن الثاني للميلاد لفائدة المتنصّرين من اليهود والسريان.

واستمرّت اللغة السريانية سائدة في القسم الكبير من البلاد السورية حتى اواخر القرن السابع للميلاد، إذ انتشرت اللغة العربية فأخذت السريانية تتقلّص رويداً رويداً ملتجئة إلى الأديرة والكنائس والقرى البعيدة عن المدن ومعتصمة في الجبال العالية، وما تزال لهجتها محكية حتى اليوم في قرية معلولا المجاورة لدمشق في سورية وفي منطقة طورعبدين في تركيا وقرى الموصل وغيرها في شمال العراق. هكذا حرص السريان على الحفاظ على لغتهم، وتاريخهم المجيد، وعقيدتهم الدينية السمحة، ولكنهم فقدوا الكثير من التراث الشعبي الأصيل الذي ورثوه من آبائهم والذي تبنّى جيرانهم من مختلف القوميات واللغات في المنطقة قسماً كبيراً منه.

وكانت اللغتان السريانية واليونانية تستعملان في فلسطين في القرن الرابع للميلاد ومما يبرهن على ذلك ما كتبته صاحبة كتاب حج الأراضي المقدسة وزيارتها Peregrimtio Adldeasancta وهي على الأغلب راهبة من إسبانيا اسمها Eutheria أو (سيلفيا) وهي زارت الأماكن المقدسة في ختام القرن الرابع للميلاد، ومن جملة ما كتبته قولها: «إن في تلك البلاد أي (فلسطين) قوماً يحسنون اليونانية والسريانية، وقوماً يحسنون اليونانية فقط، وقوماً يحسنون السريانية فقط» وقالت أيضاً: «إن أسقف اورشليم مع كونه يعرف اللغة السريانية، يخطب دوماً باليونانية، فتنقل خطبه إلى السريانية مباشرة بواسطة كاهن كان يقف إلى جانبه».

الكراسي الرسولية:
منذ انتشار البشارة الإنجيلية في العالم المعروف في فجر المسيحية كانت الكنائس المسيحية مستقلّة ضمن أبرشياتها في مناطقها الروحية استقلالاً داخلياً، ولكل منطقة أو أبرشية أسقف أعلى يتقدّم على سائر الأساقفة في منطقته يشهد بذلك نص القانون 34 من قوانين الرسل القائل: «ينبغي لأساقفة كل جهة أن يعرفوا الأول فيهم وأن يتقدّمهم، وألاّ يفعلوا شيئاً من غير رأيه بل كل واحد فليعمل ما يخصّه في أبرشيته فقط».

ويصرّح آباء المجمع النيقاوي المسكوني عام 325 في القانون السادس قائلين: «فلتحفظ العادة القديمة في مصر وليبيا والخمس مدن، بنوع أن أسقف رومية له هذه العادة أيضاً. ومثل ذلك فلتحفظ الكرامة سالمة أيضاً في الكنائس التي في أنطاكية وفي الأبرشيات الأخرى» وقد أيّد هذه الرئاسة مجمع القسطنطينية عام 381 بقانونه الثاني. وهكذا حدّدت سلطة الكراسي الرسولية الكبرى المتساوية بالسلطة في أنطاكية والإسكندرية ورومية، ثم أضيف إليها كرسي القسطنطينية سنة 381، وحازت هذه الكراسي أهمية كبرى لموقع المدن المذكورة الجغرافي والسياسي.

الكرسي الرسولي الأنطاكي:
نال هذا الكرسي الرسولي شرفاً خاصاً لأنه كان مركز زعيمي الرسل مار بطرس وبولس، وباكورة المسيحية من الأمم. وكانت سلطته الروحية تمتد إلى أقصى الشرق أي إلى آسيا كلّها شاملة المسيحيين كافة على اختلاف اللغات والأجناس، فكان بعضهم سريانيين وبعضهم يونانيين، وذلك أن الكنيسة في فجرها كانت تتوخى العقيدة لا الجنسية أو القومية أو اللغة، «وكان لصاحب الكرسي الأنطاكي المقام الرفيع في الكنيسة إذ كانت له قبل عهد المجمع النيقاوي (المنعقد عام 325) السيادة على أساقفة بلاد سورية وفونيقي وبلاد العرب وفلسطين وقيليقية وقبرص وما بين النهرين إلى أقصى بلاد الفرس والهند... ومدينة اورشليم التي نشأ فيها الدين المسيحي اولاً... ظلّت لاحقة بكنيسة أنطاكية من أول أمرها».
وكان يتولّى هذه البلاد الشرقية كلّها بطريرك أنطاكية الواحد، وكان سلطانه يمتد حيث امتدّت النصرانية في المشرق كلّه، وكان للولايات والأقاليم الكبرى في المشرق رؤساء أساقفة يتولّون إدارتها الروحية وهم تحت طاعته وقد أيّد سلطته هذه المجمعان النيقاوي والقسطنطيني كما ذكرنا.

انشقاق الكنيسة:
في عام 451م انعقد المجمع الخلقيدوني، وأدّت نتائجه إلى انقسام الكراسي الرسولية الأربعة إلى معسكرين، الأول: يضمّ الكرسي الروماني والكرسي القسطنطيني، وكان معسكراً قوياً دنيوياً لأن المملكة البيزنطية كانت تدعمه وتسانده وتتعاضد معه. أما الثاني فيضمّ الكرسيين الإسكندري والأنطاكي وهو يتألف من سكان مصر وسورية الأصليين، وقد عانوا الكثير من صنوف العذاب من جرّاء الاضطهادات المريرة التي أثارتها ضدهم المملكة البيزنطية المستعمرة آنذاك لعدم قبولهم قرارات مجمع خلقيدونية التي تبنتها المملكة، وتبيّن من ذلك أن الخلاف ولئن ظهر كأنه عقائدي، ولكن السياسة لعبت الدور الأهم فيه. فسُفكت من جرّاء ذلك دماء بريئة. وبقي الكرسيان الإسكندري والأنطاكي متّحدين بالإيمان حتى اليوم، ولكل منهما رئاسته الخاصّة واستقلاله التام كما كان منذ بدء المسيحية، أما الكرسيان الروماني والقسطنطيني فقد انقسما إلى معسكرين في القرن الحادي عشر للميلاد.

الكرسي الأنطاكي السرياني:
على عهد القيصر أنسطاس المستقيم الرأي، جلس على الكرسي الرسولي الأنطاكي عام 512 البطريرك سويريوس الكبير الذي كان رافضاً مجمع خلقيدونية. فلما رقد بالرب القيصر أنسطاس وخلفه يوسطينوس الأول الذي كان مؤيّداً مجمع خلقيدونية، اضطهد آباء الكنيستين السريانية والقبطية فقتل بعضهم ونفى الآخرين، وحكم بقطع لسان البطريرك مار سويريوس، ففرّ البطريرك المعترف إلى مصر والتجأ إلى شريكه بالإيمان بطريرك الاسكندرية واحتمى به، واختفى بعدئذ في بلدة اسمها (سَخَا) في مصر لدى وجيه قبطي حيث مكث مدة عشرين سنة وهو يدبّر الكنيسة بالرسائل التي كان يدوّنها باليونانية، وكانت تترجم حالاً إلى السريانية وتقرأ في الكنائس السريانية التابعة للكرسي الأنطاكي، وهكذا كل مؤلفات مار سويريوس التي وضعها باليونانية نقلها إلى السريانية مار بولس أسقف قلينيقية (بلدة في ما بين النهرين قرب الرها) ولمّا انتقل مار سويريوس إلى جوار ربه سنة 538 انتخب السريان مار سرجيس التلي وأقاموه بطريركاً على أنطاكية، وهكذا تعاقب خلفاؤه على الكرسي الأنطاكي حتى وصلت الرئاسة إلينا بالنعمة لا بالاستحقاق.

أما القيصر يوسطينوس فقد أقام أفرام الآمدي بطريركاً في حياة البطريرك الأنطاكي الشرعي مار سويريوس الكبير.
وهكذا انقسم الكرسي البطريركي الأنطاكي إلى شطرين، وجلس عليه في آن واحد بطريركان، واحد يقبل المجمع الخلقيدوني وقراراته التي تبنّتها الدولة، فدعاه الفريق الآخر بالمَلْكي ( بتسكين اللام حسب اللفظ السرياني) ودعا أتباعه بالملْكيين، أي أتباع الملك. والبطريرك الآخر كان يرفض المجمع الخلقيدوني وقراراته ويرفض مؤيّديه، وفي مقدمتهم الحكومة البيزنطية. فطُرد منها واضطهدته وأتباعه، ودعاهم الفريق الثاني في مجمعهم السابع في القرن الثامن باليعاقبة نسبة إلى أحد آبائهم الأبطال الذي هو مار يعقوب البرادعي الذي ظهر في القرن السادس (ت578)، ورسم مطراناً سنة 544 على يد مار ثيودوسيوس بطريرك الاسكندرية الذي كان آنذاك منفياً في القسطنطينية، واشترك معه في الرسامة ثلاثة أساقفة كانوا في السجن فجال مار يعقوب البرادعي البلاد متفقّداً الكنائس ومثبّتاً المؤمنين، ورسم سبعة وعشرين مطراناً وعدداً كبيراً من الكهنة والشمامسة. وانتقل إلى جوار ربّه في 30 تموز عام 578م.

إن الكنيسة السريانية الأنطاكية تستنكر النعت الدخيل، نعت (اليعاقبة) لأن الغاية من إطلاقه عليها هي النيل من كرامتها، فهي كنيسة رسولية أسّس كرسيها الأنطاكي مار بطرس الرسول. وأما مار يعقوب البرادعي فليس سوى أحد آبائها الميامين الذين تعتز بهم، وهو لم يأتِ بعقيدة مستحدثة. فليس هو بمؤسِّس الكنيسة حتى تنسب إليه، ولكن اللّه أقامه مجاهداً رسولياً ليذود عن حياضها، فثبّت أبناءها على معتقدهم الأرثوذكسي المستقيم الرأي، وصمدت أمام الاضطهاد البيزنطي القاسي.

كما تستنكر الكنيسة السريانية الأنطاكية أيضاً تسميتها بالمونوفيزيتية التي هي (الاوطاخية)، المعتقدة باستحالة الطبيعة الناسوتية في السيد المسيح إلى الطبيعة الإلهية وامتزاجها وتبلبل خواصها. والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، تنبذ اوطاخي وتعاليمه وتطبع على غرار مار كيرلس الإسكندري بالاعتقاد «أن السيد المسيح كامل بالناسوت وكامل باللاهوت وله طبيعة واحدة من طبيعتَين متّحدتَين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة».

مقر الكرسي الأنطاكي السرياني وأسماء البطاركة:
وحيث أن السريان كانوا مضطَهَدين من الدولة البيزنطية وكان بطاركتهم مطاردين منها، اضطروا على الإقامة في أديرة في ضواحي أنطاكية، ثم في ما بين النهرين حتى استقر مقرهم في القرن الثالث عشر في دير الزعفران قرب ماردين في تركيا ثم نُقل إلى دمشق سنة 1959.

وكانت أسماء البطاركة الأصلية تحفظ لهم عند تنصيبهم لكن لمّا ارتقى يشوع إلى الكرسي البطريركي سنة 878م اتّخذ اسماً له (إغناطيوس) تيمّناً بإغناطيوس النوراني الشهيد الذي خلف الرسول بطرس في أنطاكية وحذا حذوه أربعة بطاركة بعده. فلمّا اعتلى الكرسي البطريركي يوسف بن وهيب مطران ماردين سنة 1293م وهو إغناطيوس الخامس ثُبّتت هذه العادة من بعده وما تزال حتى اليوم، فتسمية (مار إغناطيوس) تسبق اسم الجالس على الكرسي الرسولي الأنطاكي لدى السريان.

ازدهار الحركة العلمية لدى السريان:
عندما انقسمت الكنيسة المسيحية في منطقة الكرسي الأنطاكي إلى معسكرين، وجلس على الكرسي بطريركان، لم يحدث ذلك على أساس عقائدي فقط بل أيضاً اتّخذ الطابع القومي واللغوي، ومع ذلك فإن كلتا الفرقتين كانتا تضمّان من اليونانيين والسريانيين معاً، وعلى العموم فقد تقوّت محبة اللغة السريانية في قلوب السريانيين الرافضين مجمع خلقيدونية كما شعروا بضرورة التخلّص من نير الاستعمار البيزنطي، وطفقوا يقيمون بطاركتهم على الكرسي الرسولي الأنطاكي من السريانيين بني جنسهم، وكانت الدولة البيزنطية تشدّ عليهم الخناق وتتفنن في أساليب اضطهادهم ومطاردتهم وتشريدهم بل وقتلهم، وهم يزدادون تمسّكاً بعقيدتهم الدينية وتقاليد آبائهم ولغتهم القومية وتراثهم السرياني العريق.

واشتهر السريان منذ فجر المسيحية بمحبّتهم العلم، وبمحبّتهم اللغة اليونانية لغة الثقافة والعلم والتجارة في ذلك الزمان، وكان العصر الذهبي للثقافة السريانية الدينية والمدنية قد بدأ في القرن الرابع للميلاد وامتدّ حتى القرن التاسع، ثم بزغ ثانية في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر، وفي هذه الفترات ساعد ازدهار الفكر السرياني الشعور بضرورة التخلّص من نير البيزنطيين كدولة مستعمرة لا كلغة وثقافة وشعب هو جزء لا يتجزّأ من الشعب السرياني الذي كان خليطاً من سكّان البلاد الأصليين ومن الجاليات اليونانية، ففي ذلك العهد ومنذ القرون الأولى للتاريخ المسيحي، يوم ازدهرت الحياة الرهبانية، وجد في جوار أنطاكية أديرة عديدة مجاورة لبعضها كان يقطنها رهبان كانت لغتهم اليونانية، وبالقرب منها أديرة للسريان أيضاً. بل وجد في دير واحد رهبان من الكنيستَين يصلّي بعضهم باليونانية والآخرون بالسريانية، كما شهد ثاودوريط أسقف قورش في مؤلّفه «الأخبار الرهبانية» وكانت هذه الأديرة بمثابة كلّيات لاهوتية وعلمية، وقد أسّس السريان في كل مدينة أو قرية استوطنوها مدرسة أو أكثر حتى بلغ عدد مدارسهم في ما بين النهرين وحدها زهاء خمسين مدرسة من أرقى المدارس واوسعها، وبهذا الصدد كتب البحّاثة السيد أحمد أمين قائلاً: «كان للسريان في ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلّم العلوم السريانية واليونانية... وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات، وكان في الأديار السريانية شيء كثير لا من الكتب المترجمة في الآداب النصرانية وحدها بل من الكتب المترجمة عن مؤلّفات أرسطو وجالينوس وأبقراط. لأن هؤلاء كانوا محور الدائرة العلمية في ذلك العصر. وكان السريان نقلة الثقافة اليونانية إلى الامبراطورية الفارسية ثم إلى الخلافة العبّاسية» (العربية).

وقال العلامة جرجي زيدان: «كان للسريان في ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلّم فيها العلوم بالسريانية واليونانية، أشهرها مدرسة الرها وفيها ابتدأ السريان يشتغلون بفلسفة أرسطو في القرن الخامس للميلاد. وبعد أن تعلّموها أخذوا في نقلها إلى لسانهم، فنقلوا المنطق في اواسط القرن المذكور، ثم أتمّ دراسة المنطق سرجيس الرأسعيني الطبيب المشهور، وفي المتحف البريطاني بلندرا نسخ خطية من ترجمته الأيساغوجي (المدخل إلى الفلسفة) إلى السريانية. وكذلك مقولات أرسطو لفرفوريوس وكتاب النفس وغيرها وقد نشر بعضها في عهد قريب. وفي أوائل القرن السابع للميلاد اشتهرت مدرسة قنّسرين على الفرات بتعليم فلسفة اليونان باللغة اليونانية، وتخرّج فيها جماعة كبيرة من السريان، وفي جملتهم الأسقف سويرس فقد انقطع فيها لدرس الفلسفة والرياضيات واللاهوت، ولما تمكّن من تلك العلوم، نقل بعضها إلى السريانية ولا تزال بعض ترجماته في الفلسفة محفوظة في المتحف البريطاني. وقد أتمّها بعده تلميذه يعقوب الرهاوي واضع علم النجوم السرياني، وأثناسيوس البلدي، ومن تلامذة أثناسيوس جيورجيوس المعروف بأسقف العرب (ت725) فقد ترجم بعض كتب أرسطو. واشتغل جماعة آخرون في ترجمة كتب أفلاطون وفيثاغوروس وغيرهما... واشتهرت هناك مدارس أخرى كمدرسة نصيبين التي كان عدد تلامذتها نحو ثمانمائة وكانت تعلّم فيها كل العلوم العقلية والنقلية.

أما الطب فكان لهم فيه حظ وافر على أثر إنشاء مارستان جنديسابور، واشتهر فيهم من أهل هذه الصناعة كثيرون منهم سرجيس الرأسعيني المتقدّم ذكره وأناثوس الآمدي وسمعان الطيبوثي والأسقف غريغوريوس والبطريرك ثيودوسيوس وغيرهم من الأطباء الذين أدركوا الدولة العباسية وخدموها. وقد نقل الأطباء السريان كثيراً من كتب الطب اليوناني إلى السريانية حتى في أثناء اشتغالهم بنقلها إلى العربية لأنهم كثيراً ما كانوا ينقلونها إلى السريانية فقط أو إلى السريانية والعربية معاً، فسرجيس ترجم بعض كتب جالينوس إلى السريانية...

ولهم في النجوم مؤلّفات كثيرة لتسلسل هذا العلم فيهم من آبائهم الكلدانيين، فإن لبرديصان كتاباً في النجوم لم يصل إلينا غير خبره، وألّف الرأسعيني في تأثير القمر وحركة الشمس، وألّف السبطتي في صور الأبراج... وممّن ألّف في النجوم أيضاً يعقوب الرهاوي المتقدّم ذكره وداود البيت رباني وموسى بن كيفا وغبرئيل البرشهاري وغيرهم.

واشتغل السريان أيضاً في الكيمياء والحساب والرياضيات فضلاً عن اشتغالهم في لغتهم وضبط قواعدها وحركاتها. والمشهور أنهم اقتبسوا قواعد النحو عن اليونان وحركات أحرفهم عبارة عن أحرف يونانية صغيرة توضع فوق الحروف أو تحتها. وقد استغرقوا في آداب اللغة اليونانية وشعرها فترجموا الألياذة والاوذيسة إلى لسانهم: ترجمها ثاوفيل الرهاوي سنة 875م، وقد ضاعت الترجمة ولم يبقَ منها إلا بيتان. ويقال أنهم تنبهوا لاستخدام الحروف اليونانية مكان الحركات لمّا أراد مترجم الألياذة ضبط الأعلام اليونانية فيها. وذلك غير النقط التي كانت تقوم عندهم مقام الحركات».

وكان للعلماء السريانيين الدور الأهم في قيام النهضة العلمية التي أرادها الخلفاء العباسيون، فنقلوا الثقافة اليونانية إلى الشرق، فبعد أن كان السريان قد نقلوا من اليونانية إلى السريانية ما احتاجوه من العلوم الفلسفية لتقوية قواعد الدين المسيحي المبين، نقلوا بإيعاز من الخلفاء العباسيين في بغداد من اليونانية إلى السريانية فالعربية سائر العلوم من طب، وفلك، وكيمياء وغيرها، وهكذا اغتنت الثقافة العربية ونقل العرب هذه الثقافة إلى الغرب عن طريق الأندلس.

وقد اقتبس السريان من اللغة اليونانية عدداً كبيراً من الألفاظ والمصطلحات الدينية والعلمية وسرينوها، وأخذوا أيضاً عن اليونان أصول قواعد اللغة اليونانية وطبّقوها على اللغة السريانية.

اللغة السريانية والليتورجية وسائر الطقوس البيعية:
وضع القديس يعقوب أخو الرب أول أسقف لاورشليم، الليتورجية الأولى في المسيحية، بلغته السريانية الآرامية وتليت بهذه اللغة أجيالاً عديدة، ذلك أن الأساقفة الخمسة عشر الأولين الذين تولّوا كرسي اورشليم بدءاً من مار يعقوب أخي الرب كانوا من أصل يهودي وكانت لغتهم السريانية الآرامية، وقد اكتشفت أوراق مبعثرة تحتوي على النص السرياني الأصلي لهذه الليتورجية، يعود نسخها إلى القرن الثامن للميلاد، وهي محفوظة في المتحف البريطاني في لندن، واستمرّت كنيسة اورشليم تستعمل هذه الليتورجية وحدها إلى أن جلس على كرسيها أساقفة يونانيون من قبل القسطنطينية فأبدلوها بليتورجيتَي مار باسيليوس القيصري ومار يوحنا فم الذهب، وأبقوا ليتورجية مار يعقوب ليوم عيده فقط الواقع في 23 تشرين الأول، وقد نقلت إلى اليونانية.

وقد أخذت كنيسة أنطاكية ليتورجية مار يعقوب من كنيسة اورشليم منذ عهد لا يعرف أوله، وطرأ على نصّها السرياني بعض التحريف على مرور الزمان فضبطه مار يعقوب الرهاوي (ت708) وحققه على النص اليوناني.

أما في كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس، فلم تستبدل ليتورجية مار يعقوب أخي الرب بليتورجيتَي القسطنطينية إلى أن تولّى رئاسة الكرسي لديهم ثاودوروس بَلسَمون (ت1204) فاستخرجتا اولاً من اليونانية إلى السريانية، ولهذه الترجمة السريانية نسخ كثيرة محفوظة في خزائن كتب أوربا وسورية. ثم نقلت الترجمة السريانية إلى العربية، ولما كان الروم الأرثوذكس قد تركوا طقسهم السرياني في القرنين العاشر والحادي عشر، استبدلوه بالطقس اليوناني، ولعدم معرفتهم اللغة اليونانية ترجموا ذلك إلى لغتهم السريانية، كما نقلوا سائر طقوسهم الكنسية اليونانية إلى اللغة السريانية لا إلى العربية، ومع مرور الزمان، نقلت إلى العربية من السريانية.

وفي عهد العلامتين مار يعقوب الرهاوي (ت708) ومار جرجس أسقف العرب (ت725) ابتدأت الكنيسة السريانية الأنطاكية باستعمال التسابيح المعروفة بـ «القوانين اليونانية» وقبل هذا التاريخ كان البطريرك مار سويريوس الكبير (538+) قد نظم أغاني نفيسة باللغة اليونانية، فترجمت حالاً إلى السريانية وسمّيت «المعانيث» وقد ضمّنها فكر الإيمان المستقيم الرأي، وأدخلت الطقس السرياني.

وكانت مؤلفات مار أفرام السرياني في القرن الرابع للميلاد قد نقلت من السريانية إلى اليونانية في حياته ولم تفقدها الترجمة شيئاً من فصاحتها وتأثيرها في النفس.

ومن المفيد جداً أن نذكر ههنا أن الكنيسة الأنطاكية السريانية، بعد البطريرك مار سويريوس الكبير (538+) أخذت صبغة سريانية صرفة، فلم تُقِم عليها بطريركاً يوناني الجنس، ولم يبقَ لها شركة بالإيمان مع كنيسة قسطنطينية، ولا أي تأثير يوناني. أما اتّخاذ بعض البطاركة والأساقفة أسماء أعلام يونانية، فلا يدل على أن اولئك الآباء كانوا يونانيين فهم سريانيون بأسماء يونانية يتّخذونها تيمّناً بالآباء السابقين، ويتّخذها آباء الكنيسة السريانية حتى اليوم، كما اتّخذوا ويتّخذون أسماء لاتينية وغيرها.

ولا ينكر أن السريان أحبّوا اللغة اليونانية وكانوا يدرّسونها في مدارسهم كما ذكرنا، وذلك لتعلقهم بالثقافة اليونانية ليس إلاّ، ولنقلهم علوم اليونان إلى لغتهم وإلى اللغة العربية كما ذكرنا. وعلى الرغم من إتقانهم اللغة اليونانية، فإن ترجمة التعابير الدينية والمصطلحات العقائدية، كانت عاملاً رئيساً لخلق جو من سوء التفاهم، وخلق اختلاف في التعبير عن العقائد، وبخاصة عقيدتَي التجسّد والفداء، وبهذا الصدد كتب العلامة المفريان (الجاثليق) ابن العبري (1286+) في القرن الثالث عشر ما يأتي: «... بعد دراستي موضوع (خلافات المسيحيين العقائدية) مدة كافية وتأمّلي فيه ملياً، تأكّد لديّ أن خصام المسيحيين بعضهم مع بعض لا يستند إلى حقيقة بل إلى ألفاظ واصطلاحات فقط، إذ أن جميعهم يؤمنون بأن سيدنا المسيح هو إله تام وإنسان تام، بدون اختلاط الطبيعتين ولا امتزاجهما ولا بلبلتهما، أما نوع الاتحاد فهذا يدعوه طبيعة، وذاك يسمّيه اقنوماً، والآخر فرصوفاً (شخصاً) وإذ رأيت الشعوب المسيحية كافة رغم اختلافاتها ظاهرياً، متّفقة اتفاقاً لا يشوبه تغيير (أو شك) لذلك استأصلت البغضة من أعماق قلبي وأهملت الجدال العقائدي مع الناس، واجتهدت على أن أدرك فحوى حكمة اليونان أعني المنطق والطبيعيات والإلهيات والحساب والآداب وعلم الفلك وحركات الكواكب، وإذ أن الحياة قصيرة والعلوم واسعة، لذلك فقد انتقيت ما هو ضروري من كل هذه العلوم وتناولته درساً وتمحيصاً.

بدء اللقاء والحوار والتفاهم:
في النصف الثاني من هذا القرن حرّك الروح القدس بعض اللاهوتيين من العائلتين الأرثوذكسيتين، كان بينهم يونانيون وسريانيون فعقدوا مداولات غير رسمية في أماكن عديدة في العالم ودرسوا عقيدتي التجسّد والفداء واكتشفوا ما كان علامتنا ابن العبري قد اكتشفه في القرن الثالث عشر من أن الكنائس المسيحية الرسولية رغم اختلافاتها ظاهرياً ، متفقة اتفاقاً لا يشوبه شك في جوهر عقيدتي التجسّد والفداء. فلنصلِّ ليُلهم الرب رؤساء الكنائس الأرثوذكسية ومجامعها المقدّسة، لتتبنّى قرارات تلك المدلولات غير الرسمية، وتُقدِم بإيمان متين وشجاعة روحية على رفع الحرومات فيما بينها وإعلان الشركة بالإيمان الأرثوذكسي الواحد. لقد اتخذت العائلتان السريانية والروم الأرثوذكس في الكرسي الأنطاكي الواحد، خطوة شجاعة هي أول خطوة على الطريق المؤدية إلى الوحدة الأرثوذكسية، ونتمنّى أن تقتدي بهما سائر كنائس العائلتين بل أن يتمّ اتفاق عام لاتخاذ خطوات أكثر تقدماً وشجاعة.

إننا بحاجة ماسة إلى إعداد جيل قيادي واعٍ من الإكليروس، كما إننا بحاجة إلى تهيئة الشعب ليتقبّل فكرة الوحدة المسيحية.
إنها لفرصة لنا ننتهزها لكي نقدّم شكرنا الجزيل إلى الحكومة اليونانية والكنيسة اليونانية الأرثوذكسية بإعطائهما المنح الدراسية للطلاب الإكليريكيين من العائلة الأرثوذكسية غير الخلقيدونية، لإكمال دراستهم اللاهوتية في جامعات يونانية، كما نشكر نحن السريان الحكومة اليونانية على إيفادها البروفسور كريستوس فولكاريس لتدريس لغة العهد الجديد اليونانية لطلاب كلية مار أفرام الكهنوتية السريانية الأرثوذكسية في دمشق. والأستاذ فولكاريس مثالي ليس في المعرفة فحسب بل أيضاً في الأخلاق المسيحية الأرثوذكسية والغيرة الوقادة في السعي إلى بلوغ الوحدة الأرثوذكسية.

وقبل أن نختم كلامنا، لا بد من أن نوجّه دعوة للبحّاثين من اليونان والسريان ليُقدّموا أبحاثاً مستفيضة من مواضيع لاهوتية وتاريخية وأدبية ولغوية وفي غيرها من الميادين التي من شأنها أن تقرّب وجهات النظر بين الكنيستين والشعبين، وأن تؤول بالفائدة عليهما بتحقيق الوحدة الأرثوذكسية التي هي الخطوة الاولى الضرورية جداً لوحدة المسيحية، بل لتفاهم أفضل بين أتباع الأديان كافة وشعوب العالم جميعها.