الثلاثاء, 16 أيلول 2014    |     الرئيسية    اتصل بنا
زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > أنباء البطريركية > كلمة نيافة المطران مار ديونيسيوس جان قواق خلال الصلاة المسكونية العامة
كلمة نيافة المطران مار ديونيسيوس جان قواق خلال الصلاة المسكونية العامة
بداية أرحب بكم إخوةً وأحباء في هذه الكاتدرائية، باسم صاحب القداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى، وباسم صاحبي النيافة والسيادة، وأقول لكم: أهلاً بكم في بيتكم.

أيها الأحباء، نجتمع اليوم كعادتنا في كل عام، لنصلّي لوحدة الكنيسة، الوحدة المسيحية المنشودة، ولنطلب من الرب يسوع أن يجمعنا إلى واحد، وكأنه هو المخطئ والمذنب في هذا الموضوع، وكأني به سبب الانشقاق والفُرقة التي نعيشُها اليوم.

كلنا نعلم أحبائي، بأنَّ الرَّبَ يسوع، لم يأتِ من السماء ليؤسس عدة كنائس وطوائف، لكنه جاء ليؤسس كنيسةً واحدةً. وهو الذي قال لبطرس الرسول: ”أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها“ (متى 18:16).

نعم، لقد أسسها الربُ كنيسةً واحدة، ليجتمع فيها المتفرّقون في وحدةٍ واحدةٍ تُشابه وَحدةَ المسيح مع الآب، تلك الوحدة التي صلى المسيح من أجلها قائلاً: ”ليكونوا واحداً كما نحن واحد“ (يوحنا 11:17)... وهي وحدة مُطلقة لا تنحلّ ولا تضعف ولا تنفصم.

وقد أرسى مار بولس في رسائله قواعد علم اللاهوت الكنسي (الإكليسيولوجيا)، ونراه بصدد وحدة المؤمنين في الكنيسة الواحدة يقول: ”جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم“ (أفسس 4:4-6).

فهل يستطيع الجسد أن يحيا، وهو متناثر الأشلاء؟
وهل نستطيع أن نقول: إن الجسد متحدٌ بالروح، وهو ممزق الأوصال؟!
إن من يقرأ ما فعله بولس الرسول من أجل وحدة الكنيسة يقف مذهولاً من تفكير هذا الرجل العِملاق وتصرفاته.

فصحيح أنه وجدت بعض الاختلافات في العصر الرسولي، ولكن مار بولس لم يحسبها سبباً لخلق انقسام في الكنيسة...، بل نراه يتنازل بعض الشيء عن بعض أفكاره من أجل وحدة الكنيسة!

وقد يبدو هذا الكلام غريباً للذين يتمسكون اليوم ببعض الأفكار اللاهوتية غير الرئيسية، ويصرّون على تمزيق جسد المسيح وإعطاء العالم صورة مُحزنة للكنيسة! علماً بأن الخلاف الأكبر الذي نشأ في الكنيسة الأولى لم يكن تافهاً حتى يتغاضى بولس الرسول عنه... لكن الواقع أنه حسب وحدة الكنيسة أهم بكثير من الالتزام بعادات معينة، ليست جوهرية في الإيمان.
لكن، ويا للأسف لقد اختلف هذا المعيار مع بعض القادة الكنسيين الذين خلفوا الرسل، فإن أي دارس للتاريخ الكنسي يلمس أن معظم الانقسامات التي طرأت على جسم الكنيسة الواحد، جاءت بسبب الكبرياء وحب السلطة، وامتداد النفوذ، ونتيجة لاختلافات سياسية.

فهل نحيا نحن اليوم في الحالة التي أوجدتها الكبرياء، فنرضى بكنيسة منقسمة بسبب خطايا آبائنا، وهل نقول: إن وحدة الكنيسة روحي، ونترك انقساماتنا المخزية وتفرقاتنا المحزنة تنخر في عظام شهادتنا لمخلصنا؟!
أنا لا أريد أن أتحدث معكم حديثاً لاهوتياً عن الكنيسة بكونها، واحدة، جامعة، مقدسة ورسولية، كما نقول ونردد في قانون إيماننا. لا أريد أن أبشركم بأننا واحد، طالما أن الجسد واحد ورأسه المسيح، والحال أننا منقسمون في طوائف متعددة، ليس فقط ثقافياً أو طقسياً، لدينا وللأسف خلافات عقائدية جوهرية علينا أن نجابهها ونحاول حلها.

اسمحوا لي أن أتساءل: ألا يلمس العالم أننا ننهش بعضَنا بعضاً حتى نكاد نفنِي بعضنا...، ثم يسمعون مواعظنا عن المحبة والاتحاد وجسد المسيح الواحد؟! وإذا بصوت أعمالنا يعلو بما لا يُقاس عن صوت أقوالنا؟!
أما في ما يخص الحوار اللاهوتي، فعلينا أن نبتعد فيه عن العاطفة والمشاعر النبيلة، طبعاً هذا لا يعني أن نخرج عن حدود اللباقة والمحبة فهذه وصية العهد الجديد، لكن من الضروري جداً أن نواجه الأمور ونحاول معالجتها، فيجب أن نعرف من أين سقطنا ونتوب.

ولا يمكننا أن نغضَّ الطرف عن رغبة أبناء طوائفنا الذين هم أيضاً أعضاءٌ في الجسد الواحد، فجميعهم يرغبون في أن نحتفل بعيد الفصح بتاريخ موحد، وهذا حق لهم، ولكن هذه الوحدة لا تحل المشكلة، فعيد الفصح كان مُختَلفاً عليه حتى عندما كانت الكنيسة واحدة موحدة.

ومعظمهم أيضاً يرغبون بوحدة الكراسي الرسولية، أي أن يروا رأساًً واحداً منظوراً للكنيسة، وهذا أيضاً غير صحيح لأن الكنيسة منذ تأسيسها كانت مقسمة إدارياً لكنائسَ محلية يرأسها بطريرك أو رئيس أساقفة يجتمع مع إخوته بشركة الإيمان الواحد.

ولكن ولئن تعذر في الوقت الحاضر إيجادُ حلٍ لمشكلة الوحدة المسيحية، والتي هي خطيئة كبيرة، علينا جميعاً تحمل مسؤوليتها وتبعاتها. فإننا لا نستطيع إلا وأن نجتمع معاً عِبرَ مجالس محلية وإقليمية وعالمية، لنحاول أن نطيع وصية السيد المسيح في مساعدة الفقير والمسكين والمحتاج، فكنائسنا المشرقية ولو كانت متحدة، قد لا تستطيع أن تلبي احتياجات مؤمنيها، فكيف تستطيع تلبية هذه الاحتياجات وهي منقسمة على الشكل الذي نراه اليوم.

نحن لا ننكر أنه يوجد في الكنيسة اختلاف، وهذا واضح من وصف الكنيسة بالجسد، فأعضاء الجسد ليست كلها واحدة في شكلها، ولا في عملها. وفي هذا الصدد يقول مار بولس الرسول: ”أما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً“ (1كورنثوس 27:12). وعلى نفس القياس نرى في الكنيسة أنواع مواهب متعددة، ولكن الروح القدس الذي يعطيها واحد... وهو الذي يعمل الكل وفي الكل... وكل خدمات الكنيسة يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء.

وحين يتكلم الرسول بولس عن التنوّع في المواهب الروحية، يمضي ليقول: ”جدوا للمواهب الحسنى، وأيضاً أريكم طريقاً أفضل“. ثم يتكلم عن المحبة التي تحتمل كل شيء ولا تطلب ما لنفسها، وتصبر على كل شيء“ (1كورنثوس 31:12 وص 13).

وعلى هذا فإن التنوع في المواهب يجب أن يجري في وحدة ومحبة كاملتين. مثل أعضاء الأسرة الواحدة التي تختلف مقدراتهم على الخدمة والعمل والكسب والإمكانيات، ولكنهم يجتمعون حول مائدة واحدة يأكلون معاً، ويظللهم سقف واحد إذ يسكنون معاً.

أيها الأحباء:
أما إذا تطلعنا إلى وضعنا في شرقنا الأوسط الحبيب، والذي نعيش فيه مع إخوتنا المسلمين، فإننا نجد أن وحدتنا ضرورية أيضاً كمسيحيين ومسلمين معاً، كي نقف صفاً منيعاً في وجه كل التحديات التي تواجه أوطاننا، وأول هذه التحديات هي خطر التطرف والتعصب الديني البعيدين كل البعد عن روح الديانات السماوية.

فلنصلي إلى الرب الإله، ليستجب صلاتنا وليرسل روحه القدوس، فيبارك جمعنا، وليجعل منه نواة صالحة تؤهلنا لنكون معاً، ونشهد معاً لحضوره بيننا. وإليه نتضرع ليحمي هذا البلد العزيز من كل خطر ومكروه، وليبارك في ترابه وغلاته، وليحفظ لنا سيادة رئيسنا المبجل الدكتور بشار الأسد، راعي الوحدة الوطنية وقائد مسيرة التطوير والتحديث في سورية العزيزة.

وأختم أحبائي، بقولٍ للمثلث الرحمات البطريرك أفرام الأول برصوم عن الكنيسة المقدسة: الله أسسها والله راعيها، على صفاة الهدى والنور بانيها.

أهلا بكم مجدداً، وكل عام وأنتم بخير.

دمشق ـ كاتدرائية مار جرجس البطريركية للسريان الأرثوذكس
الخميس 20/1/2011